الأحد، 21 أكتوبر 2018

🎤
خطبــة جمعـــة بعنـــوان        
[ أحبُّ الاعمال الى الله .. بِرُّ الوالدين ] ( ٢ )
        السلسله الثانيه لأحب الاعمال الى الله
                         الخطبه {{ 17 }}
إعداد وتنظيم وإلقاء :
الاستاذ/ احمد عبدالله صالح
خطيب مسجد بلال بن رباح/
الجمهوريه اليمنيه - محافظة إب .
ألقيت في  19 أكتوبر 2018 م
الموافق  3 صفر 1440هـ

أما بعــــــــــــــــــــــــــــــد :ــ
ايها الأحباب الكرام :              
تحدثنا في جمعةٍ سبقت حول عمل من احب الاعمال الى الله عزوجل وعن عبادةٍ فاضلةٍ كريمه قرن الله عزوجل عبادته بها ...
ورد ذلك في الحديث الذي في الصحيحين من حديث أَبِيْ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ رضي الله عنه قَالَ : سَأَلْتُ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم : أَيُّ اْلأَعْمَالِ أَحَبُّ إَلىَ اللهِ تَعَالىٰ ؟
قَالَ {الصَّلاَةُ عَلىٰ وَقْتِهَا ))
قلت : ثُمَّ أَي ؟
 فقَالَ عليه الصلاة والسلام :  بِرُّ اْلوَالِدَيْنِ )
           ( انها بِرُّ الوالدين  )
وفضلُ الوالدين كبيرٌ، وإحسانُهما سابقٌ عظيمٌ، تذكَّرْ رعايتَهُما لك حالَ الصِّغَرِ، وضَعفِ الطفولةِ.
فقد حملتْك أُمُّك يا عبدَ اللهِ في أحشائِها تسعةَ أشْهُرٍ، وهناً على وهنٍ، حملتك كُرْهاً ووضعتك كُرْهاً.
وعند الوضع رأت الموت بعينها ولكن لما رأتك بجانبها زالت آلامها، وعلّقت فيك جميعَ آمالها.
رأت فيك البهجة والسعادة والحياة ، ثم شُغلت بخدمتك ليلها ونهارها،.
تُغذيك بصحتها .طعامك لبنُها. وبيتك حِجرُها. ومركبك يداها وصدرها وظهرها تُحيطك وترعاك .

تجوعُ هي لتشبع أنت . وتسهر الليل لتنام أنت.
فهي بك رحيمة، وعليك شفيقة.
إذا غابت عنك دَعوتَها، وإذا أعرضت عنك ناجيتها، وإذا أصابك مكروه استغثت بها .
تحسب كل الخير عندها، وتظن أن الشر لا يصل إليك إذا ضمتك إلى صدرها أو لحظتك بعينها..
وحيا من قال عنها :
لأمك حق لو علمت كبـــير
                            كثيرك يا هذا لديه يســيرُ
فكم ليلة باتت بثقلك تشتــكي
                            لها من جواها أنّة وزفيــرُ
وفي الوضع لو تدري عليها
              مشقة فمن غصص منها الفؤاد يطير
وكم غسلت عنك اللأذى بيمينها
                          وما حجرها إلا لديك سرير
وتفديك مما تشتكيه بنفسهــا
                          ومن ثديها شرب لديك نمير
وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها
                         حنواً وإشفاقاً وأنت صغير
فآهٍ لذي عقل ويتبع الهــوى
                       وآهٍ لأعمى القلب وهو بصير
فدونك فارغب في عميم دعائها
                            فأنت لما تدعو إليه فقــير
              فهذه هي حالُ أمِّك.
- اما ابوك فإن كنت ناسياً فلا تنس انشغالَه بك وبصلاحِك ومستقبلِك وهمومِك.
- أما أبوك فتذكَّر كَدَّه وسعيَه وتنقُّلَه وسفرَه، وتحمُّلَه الأخطار والأكدار بحثاً عن كل ما تصلح به معيشتُك..
- اما ابوك فهو الذي يسعى من أجلك، ويدفع عنك صنوفَ الأذى، ينتقل في الأسفار.  ويَتَحمْلُ الأخطار بحثاً عن لقمة العيش، لينفق عليك ويصلحك ويربيك.
إذا دخلت عليه هش. وإذا أقبلت إليه بش،
 وإذا خرج تعلقت به، وإذا حضر احتضنك..
ومن الإجحاف ان يبادل الولد احسان والده له بالإساءة إليه ..
كحال أحد الآباء حين قال معبراً في عتاب ولده :
غذوتك مولوداً وعلتك يافعـاً
                             تعلُ بما أحنو عليك وتنهل
إذا ليلةٌ ضافتك بالسقمِ
                    لم أبَتْ لسقمكَ إلا ساهراً أتململ
كأنّي أنا المطروقُ دونَكَ بالذي
                        طُرقت به دوني فعيناي تهمل
تخافُ الردى نفسي عليك
                   وإنني لأعلم أن الموتَ وقتٌ مؤجل
فلما بلغت السنَ والغايةِ
                 التـي إليها مدى ما كنتَ فيك أؤمل
جعلت جزائي فظـاظةً وغلظةً
                             كأنّك أنت المنعمُ المتفضل
فليتك إذ لم ترعَ حق أبـوتي
                        فعلت كما الجارُ المجاورُ يفعل
فأَوْلَيْتَني حقَّ الجُوارِ ولم تكنْ  
                          عليَّ بمالي دونَ مالِك تبخلُ

فهذان هما والداك، وتلك هي طفولتك وصباك،
فلماذا التنكر للجميل؟ وعلام الفظاظة والغلظة ؟
ولأجلِ ماذا العقوق والعصيان والقطيعه والهجران والتضايق والحرمان لهما وأنت كبير ؟
أفلا يستحِقَّان منك البرَّ والإحسانَ والعطفَ والحنانَ؟!
    بلى، والله إن ذلك لمن أعظمِ الحقوقِ.

احبابي الكرام روّاد مسجد بلال بن رباح :
لبرّ الوالدين ثمرات كثيرة يجنيها البار لوالديه في عاجل الامر وآجله في الدنيا والاخره ولعلى سأقف معكم مع بعض هذه الثمار ...
فمن ثمار بر الوالدين الاخرويه والآجله أن البار بوالديه يكسب رضا الله تعالى وهو ما نسعى إليه دائمًا.
كمايحظى البار بوالديه بمنزلة عظيمة فيكون في رفقة الأنبياء والشهداء.
ومن الثمار الاخرويه والآجله لبر الوالدين  :
= قبول الأعمال ودخول الجنة :
ففي سورة الأحقاف آيات تحدثت عن صنف من الناس عرف حق الله تعالى عليه فشكره، وعرف حق والديه فأحسن إليهما وأطاع أمرهما، واجتهد في برهما، وعرف حق ذريته فأحسن تربيتها ودعا لها بلإصلاح والتوفيق، وسأل الله تعالى التوبة والمغفرة، فتقبل الله عمله، وغفر له ذنبه، ووعده بالجنة، قال الله تعالى:
 ( وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (15) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ) ...

اما الثمار الدنيويع والعاجله لبِرُّ الوالدين :
= الزيادة في العمر والبركة فيه :
ويؤيد هذا ما قاله عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف الذي رواه احمد من حديث أنس رضي الله عنه :
{من سرّه أن يُمدّ له في عمره، ويُزادَ له في رزقه فليبرّ والديه وليصل رحمه} ..
اي يبارك الله في عمر البار بوالديه ويؤخر له في أجله، وينفي عنه الآفات في بدنه وعقله وماله وأهله ويُعينه ويوفقه، ويهديه ويسدده، ويُحصِّل من الخير والأجر، والعزة والكرامة في الدنيا والآخرة، ما لا يُحصِّلُه صاحب القطيعة والعقوق، ولو كان عمره أضعاف عمر البار بوالديه .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
 {من برّ والديه طوبى له زاد الله في عمره}..
وقال عليه الصلاة والسلام :      
 {وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر}
فما أحلى الحياة إذا طال فيها العمر، وكثر فيها المال الحلال..!
وما أهنأ العيش إذا رافقته طمأنينةُ النفسِ وراحةَ الضميرِ ومحبةِ الناس.!

ومن الثمار الدنيوية والعاجله  لبِرُّ الوالدين :
= أن الله يجعل للبار بوالديه لسان صدق وثناءٍ وحمد، فيرتفع ذكره ويشتهر فضله في حياته وبعد مماته، ولا يضمحل أثره بمجرد موته كما هو الحال في العاق ..
وهذا الذكر والثناء للإنسان هو عمر ثاني،
ولا يزال الإنسان معمرًا ما دام ذكره الحسن باقيًا. وقد صدق القائل :
دقاتُ قلبِ المرءِ قائلةً لـه                
                       إن الحياةَ دقائقٌ وثواني
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها  
                      فالذكر للإنسان عمرٌ ثاني  

وكم من أناسٍ لا يزالون أحياء يُذكرون بالخير، وآثارهم شاهدةً على مكانتهم وفضلهم، وهم تحت أطباقِ الثرى من مئاتِ السنين.
بينما آخرون لا يزالون يعيشون على ظهر الأرض وهم في عداد الموتى، بسبب سقوط القدر وخمول الذكر. يقول ابن القيم :
 " ومن أعظم نعم الله على العبد:
 أن يرفع له بين العالمين ذكره، ويعلي قدره "
ولهذا خص أنبياءه ورسله من ذلك بما ليس لغيرهم، كما قال تعالى:
{وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ* إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ}  [ص:45ـ46]
أي: خصصناهم بخصيصة، وهو الذكرُ الجميل الذي يُذكرونَ به في هذه الدار، وهو لسانُ الصدق الذي سأله إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام
حيث قال: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ }
وقال سبحانه وتعالى عنه وعن بنيه :
 {وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً }[مريم 50]
وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم ـ:
{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } [الشرح 4]
 فأتباع الرسل لهم نصيب من ذلك بحسب ميراثهم من طاعتهم ومتابعتهم، وكل من خالفهم فإنه بعيد من ذلك بحسب مخالفتهم ومعصيتهم".

ومن الثمار الدنيوية والعاجله لبِرُّ الوالدين :
= مغفرة وكفارة الذنوب والمعاصي وقبولِ التوبة :
روي عن يحيى بن أبي بكر، قال:
لما قدم أبو موسى الأشعري وأبو عامر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلما، قال :
{ما فعلت امرأة منكم تدعى كذا وكذا؟ قالوا: تركناها في أهلها، قال: فإنه قد غُفِر لها..
قالوا بما يا رسول الله؟ قال :
كانت لها أم عجوز كبيرة، فجاءها النذير،
 إن العدو يريد أن يغير عليكم، فجعلت تحملها على ظهرها، فإذا أعيت وضعتها ثم ألزقت بطنها ببطن أمها، وجعلت رجليها تحت رجلي أمها من الرمضاء حتى نجت} ..

وفي الحديث الذي أخرجه الترمذي يقول ابن عمر رضي الله عنهما أتى رجلٌ الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله!
 إني أصبت ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟
قال: هل لك من أم؟
قال: لا.
قال: هل لك من خالة؟
قال: نعم.
قال: فبرها "

وجاء عند البخاري في الأدب المفرد وإسناده صحيح على شرط الشيخين :
 [أن ابن عباس أتاه رجل، فقال: إني خطبت امرأة، فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري، فأحبت أن تنكحه، فغرت عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أأمك حية؟ قال: لا.
قال: تب إلى الله عزوجل، وتقرب إليه ما استطعت، فذهب الرجل وانصرف ..
قال فسألت ابن عباس : لم سألته عن حياة أمه؟ فقال: إني لا أعلم عملاً أقرب إلى الله عزوجل من بر الوالدة]
وهي جناية قتل والدماء ليست سهله ومع ذلك
بر الوالدين يقوم مقام الكفاره لهذه الجنايه ..

وجاء عن عائشة رضي الله عنها في قصة المرأة التي عملت السحر في دومة الجندل ، وقدمت المدينة تسأل عن توبتها، تقول عائشة :
[فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم]
لأنها جاءت على وقت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءت تستفتي عن الكفارة، تقول عائشة : [لم تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشفيها أي: بالجواب حتى إني لأرحمها تبكي،
فروت قصة السحر وهي تقول لـعائشة :
إني لأخاف أن أكون هلكت، سُقِطَ في يدي وندمت، والله يا أم المؤمنين ! ما فعلت شيئاً قط ولا أفعله أبداً..
تقول عائشه فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حداثة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يومئذٍ متواترون، فما دروا ماذا يقولون لها، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلم، إلا أنهم قالوا: لو كان أبواك حيين أو أحدهما لكانا يكفيانك] ..
وجوّد ابن كثير إسناده عند ابن أبي حاتم.

ومن الثمار الدنيوية والعاجله لبِرُّ الوالدين :
= أن البار والمحسن إلى والديه يحظى بأجر يعادل أجر من يجاهد في سبيل الله تعالى أو من يحج ويعتمر إلى بيت الله الحرام.
جاء في شعب الايمان للبيهقي يقول النبي صلى الله عليه وسلم :
(ما من رجل ينظر إلى والديه نظرة رحمة إلا كتب الله له بها حجة مقبولة مبرورة)  ..
وفي رواية بلفظ :
(ما من ولدٍ بارٍ ينظر إلى والديه نظرة رحمة
 إلا كتبَ الله له بكل نظرة ينظر بها إليهما حجةٌ مبرورة) قالوا: يارسول الله أفرأيت إن نظر إليهما كل يوم مائة مرة ؟
قال :نعم ، الله أكبر وأطيب)
قال العلماء ( أكبر ) : أي أعظم مما يتصور
وخيره أكثر مما يُحصى ويُحصر ..
( وأطيب ) : أي أطهر من أن ينسب إلى قصورٍ في قدرته ونقصان في مشيئته وإرادته..

وعن عائشة رضي الله عنها كما روى ابو نعيم قالت : النظر في ثلاثة أشياء عبادة :
" النظر في وجه الأبوين، وفي المصحف ،
 وفي البحر "
وفي رواية لابي داوود :
" النظر إلى الكعبة عبادة ، والنظر إلى وجه الوالدين عبادة ، والنظر في كتاب الله عبادة "

وعكسُ ذلك نظرة الغضب كما روى البيهقي
يقول النبي صلى الله عليه وسلم :
" ما برّ أباه من حدّ إليه الطرفُ بالغضب "
ومعناه : أن من نظر إلى والديه نظرة غضب كان عاقاً وإن لم يكن يتكلم بالغضب .
 نعم /                                      
بنظرةٍ حادةٍ غاضبةٍ  للوالدين يندرج صاحبها ويدخل في صفوف العاقين ...
 فكيف لو كانت اكبر من نظرة حادةونظرة غضب..
كيف لو كانت شتماً وإيذاءً ..
كيف لو كانت زجراً ونهراً ..
كيف لو كانت قهراً وإذلالاً ..
كيف لو كانت تطاولاً وتهجماً ..
كيف لو كانت انتهاكاً واعتداءً ..
وهؤلاء لن يروحوا رائحه الجنه ولن يذوقوا نعيمها
يقول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم :
{ثلاثة حرّم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة :
مدمن الخمر، والعاق لوالديه ، والديوث الذي يُقرّ الخُبث في أهله} ..
وإذا كانت الجنة محرمةٌ عليه فإن النار هي مصيره وبئس المصير.

ومن الثمار الدنيوية والعاجله لبِرُّ الوالدين :
=  إجابة الدعوة :
فالبار بوالديه يدعو الله تعالى بما يرغب ويجيبه الله ببركة برّه لهما.
يشهد لهذا قصة أولئك النفر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانطبقت عليهم صخرة فسدت فم الغار، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، أن يفرج عنهم، فقال أحدهم :
" اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت
 لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي طلب الشجر يومًا، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت غبوقهما، فوجدتهما نائمين فلبثت والقدح على يدي انتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما..
 اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت قليلاً وتوسل صاحباه بصالح أعمالهما فانفرجت وخرجوا يمشون.
فلأن هذا كان باراً بوالديه استجاب الله دعاءه..

وهذا امير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم :
"أفيكم أويس بن عامر؟"
حتى أتى على أويس فقال له :
 "أنت أويس بن عامر؟" قال: "نعم"
قال: "من مراد ثم من قرن؟" قال: "نعم"
 قال: "فكان بك برصٌ فبرأتَ منه إلا موضع درهم؟" قال: "نعم"
قال: "لك والدة؟" قال: "نعم"
قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها برّ لو أقسم على الله لأبره؛ فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل؛ فاستغفر لي" فاستغفر له".

 فبأي شيء بلغ أويس تلك المنزلة رضي الله عنه ؟
لانه كان بارًّا بأمه ملازمًا رجليها، امتنع من الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقابله..
 لأنه كان مشغولاً ببر أمه،  هذا هو الجزاء أيها المسلمون عباد الله.

وعن عائشة  رضي الله عنها قالت :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ :
" نمت فرأيتُني في الجنة، فإذا قارىءٌ يقرأ،
فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا حارثة بن النعمان.
وكان أبرّ الناسِ بأمه "
وفي روايه ( انه عليه الصلاة والسلام سمع قرع نعليه في الجنه ) فلما اصبح عليه الصلاة والسلام بشرّ أمه بما رأى وقال ؛ هكذا البر يا أم حارثة
 كذلك البر، كذلك البر، كذلك البر.
اللهم أعنا على بر آبائنا وأمهاتنا ..
اللهم أعنا على الإحسان إليهما..
اللهم أعنا على طاعتهما...
أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم ..

الخطبه الثانيه :                    
أما بعــــــــــــــــــــــــــــــد :ــ
ايها الأحباب الكرام :
تناولنا في الخطبه الاولى بعضاً من ثمار بر الوالدين الآجلة والعاجله وفي الدنيا والاخره
وخلصنا الى ثمرة بر الوالدين في الدنيا بأنّ البار بوالديه يكون مستجاب الدعوه بسبب بره بوالديه..

وهذا سلاح يضل بحوزته مادام على هذا البر والإحسان لوالديه ...
اضافه الى سلاحٍ اخر وهو انه يحظى
بدعوه مستجابه لاترد من والديه :
ففي الحديث الذي في صحيح البخاري :
عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث دعوات مستجابات لهن، لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده".
ولقد ذكر ابن القيم الجوزيه في كتابه أن شاباً كان مكباً على اللهو واللعب لا ينفك عنه، وكان له والد صاحب دين، كثيراً ما يعظ هذا الابن، ويقول له:
يا بني! احذر هفوات الشباب وعثراتهم، فإن لله سطوات ونقمات ما هي من الظالمين ببعيد،
وكان إذا ألح عليه زاد له في العقوق، وجار على أبيه، ولما كان يوم من الأيام؛ ألح على ابنه في النصح على عادته، فمد الولد يده على أبيه، فحلف الأب بالله مجتهداً ليأتين بيت الله الحرام فيتعلق بأستار الكعبة ويدعو على ولده، فخرج حتى انتهى إلى البيت الحرام، فتعلق بأستار الكعبة وأنشأ يقول :
يا من إليه أتى الحجاج قد قطعوا
                    عرض البسيطة من قرب ومن بعد
إني أتيتك يا من لا يخيبه
                        ادعوه مبتهلاً بالواحد الصمد
هذا منازل لا يرتد من عققي
                     فخذ بحقي يا رحمان من ولدي
وشلل بحول منك جانبه
                        يا من تقدس لم يولد ولم يلد
فقيل: إنه ما استتم كلامه حتى يبس شِقّ ولده الأيمن..
(ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الوالد على ولده) .. (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده)
حديثان صحيحان، فيستجاب دعاء الأب والأم على الولد أو للولد..
 فالولد إما ان ينل دعوةً مستجابة بسبب بره بوالديه،او ينل دعوة عليه مستجابة بعقوقه وتمرده.

نعم احبتي الكرام          
عقوق الوالدين لو صادف دعوةً من الأب أو من الأم على الولد فإنها مستجابه ..
ما بينها إلا مسافةٌ تُقطعُ في لمحِ البصر..
 تَصعدُ دعوةُ المظلوم إذا كان أباً أو أماً إلى السماء، فيجيب الله عزوجل.

وهل مرّ عليكم اسم جريج؟؟
هل سمعتم بقصه جريجُ العابد ..
كان جريج عابداً من عبّاد بني إسرائيل،
كان في صيام وصلاة ..
في ذكر ودعاء ..!
في صدقة وبذل ..!
وفي احدى الايام وبينما هو قائمٌ يصلي مستقبلاً قلبته، أتت أمه فنادته وقالت: يا جريج!
فقال في نفسه وهو يصلي :
أمي وصلاتي؟ فرأى أن يؤثر صلاته، ثم صرخت به الثانية، فقال في نفسه:    
أمي وصلاتى؟ فرأى أن يؤثر صلاته.
            فأستمر في صلاتي؟
انظر اخي الحبيب إلى بر الوالدين.
الآن والداك لا يطالبانك بأن تقطع الصلاة وإنما يدعوانك إلى طلبٍ خفيف، ومع ذلك تجد من يعق الوالدين، ويلعن الوالدين، ويقطع الوالدين، ويهجر الوالدين، وهما يقدمان له كل شيء!
 نعم /
وجد في مجتمعاتنا وفي واقعنا من الآباء من فعل لاجل ابنه العجب العجاب، بنى له بيتاً، وزوَّجه، وملَّكه سيارة، وأعطاه من المال..
 ثم تجد هذا الابن من أفجر الناس ..!
ينتقص من والده في المجالس، ويستهزئ به، ويُشّهر به امام الخلق ويجاهر والديه بالسوء وفاحش القول ويقهرهما وينهرهما ويرفع الصوت عليهما ويتأفف ويتضايق ويتضجر منهما وربما يصل به الحال الى ان يقول لأحدهما:
 أراحنا الله منك وأخذ بعمرك..            
وعجل بزوالك يا شيبة النحس ..؟
ويا عجوز الشؤم ، ويا عجوز الويل!
وحاله وحال أبيه كما قال الشاعر:
   (( أريد حياته ويريد موتي ))
ولهذا جريج في صلاته وأمه تناديه حتى تحير في الصلاة ...
لكنه رأى أن طاعة الله مقدمة على ذلك، فهو ما عصاها لكن ما أجابها، فنادته في الثالثه :
فلم يجبها وآثر ان يكمل صلاته.
فغضبت عند ذلك عليه ودعت وقالت:
لا أماتك الله يا جريج! حتى تنظر في وجه المومسات.
دعوه ارتفعت للحق سبحانه على جريج وهو في طاعه وفي صلاه وهو امام خالقه وبارئه ورازقه..
" لا أماتك الله يا جريج! حتى تنظر في وجه المومسات"
أي : لا تحكم عليه بالموت حتى يرى وجوه الزانيات وكان عابداً، والله يحفظ العُبّاد.
وهل رأيتم إنساناً يحافظ على الصلوات الخمس ويشرب الخمر؟ لا.
وهل رأيتم إنساناً والمصحف في يده يعتدي على المحرمات، أو يزني ويسرق؟ لا.
احفظ الله يحفظك:
(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت:69]..
(فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ  ) [محمد:21].

إنسان يحافظ على صلاة الفجر جماعة كل يوم لن يتردى في الكبائر أبداً، وهذا معروف بالاستقراء، أكثر من يدخل السجون الآن هم الذين لا يصلون
                     لماذا؟
 لأن الذي لا يعرف طريق المسجد يُعرّفه الله طريق السجن..
والذي لا يعرف القرآن يُعرّفه السوط ..
والذي لا يعرف سنة الرسول صلى الله عليه وسلم يذيقه الله أصناف العذاب ...
ولهذا قالت ام جريج :
اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات ...
 فمكث زمناً حتى تحدث بنو إسرائيل عن عبادته، وصيامه، وصلاته، وصلاح واستقامته فقالت امرأةٌ فاجرة ..
دعوه لي واتركوا شأنه لي ونعوذ بالله من الفجور .
الفجور انتشر في بني إسرائيل كما قال تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ) [المائدة:13]
تركوا الحجاب ثم اختلطوا، فوقعوا في الزنا فلعنهم الله ومسخهم قردةً وخنازير.

ولذلك لا يوجد أحد أطهر من موسى إلا من أمثاله من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام،
أتى قارون إلى امرأةً زانيةً فأعطاها قنطاراً من ذهب، وقال: إذا اجتمعنا نحن والناس وقام موسى يدعونا إلى الله، فقومي وابكي وسط الناس هذه الإشاعة الباطلة المفتراة ضد الدعاة قالت:
ماذا أقول؟ قال: قولي: إنه صنع بك الفاحشة سبحان الله! موسى عليه السلام ..
فلما اجتمع بنوا إسرائيل ومعهم قارون والأغنياء والأمراء والناس؛ قامت تبكي وتضرب وجهها وتنفث شعرها، قالوا: مالك؟
فادعت أن موسى زنا بها، فقام موسى بالعصا، وقال: يا أمَةَ الله أسألك بمن شق البحر لي، وأنزل علي التوراة هل أنا فعلت ذلك؟
قالت: لا والله، فقال حينها نبي الله موسى:
اللهم خذ قارون، فخسف به وبداره، فأخذ قارون وداره فزلزل في الأرض يصيح:
يا موسى! يا موسى! يا موسى!
حتى اختفى صوته وماله وجسمه وداره في الأرض..

ولهذا جريج العابد لما ذاع صيته عن عبادته وصلاته وصيامه وتذاكر الجميع صلاحه
 قالت أمرأة بغي من بغايا بني اسرائيل :
دعوه لي ، فذهبت إلى جريج، وحاولت معه واغرته بجمالها لكنه ثابتاً شامخاً مؤمناً صادقاً ..
وعندها رجعت إلى بني إسرائيل،مدعيةً بهتاناً وكذباً وزوراً أنّ جريج زنا بها ..
فأتوا إلى جريج وكان عابداً في صومعةٍ فأنزلوه وضربوه، وهدموا صومعته، فقال: مالكم؟!
قالوا: زنيت بتلك المرأة، فأتوا وإذا هي حامل،
وقد وضعت وطفلها معها يرضع ..
فقام حينها جريج للطفل وأخذ يكلمه وكأَنَّهُ يُكلم انساناً بالغاً عاقلاً فقال له وهو يضع اصبع السبابه في بطنه من هو ابوك يا أيها الطفل!
أسألك بالله رب العالمين من أبوك؟
فأنطق الله الطفل امام الجميع وقال:
أبي فلان ابن فلان الراعي ..
راعي غنم كان يدور حول الصومعة زنى بهذه المرأة فكان ابنه هذا الولد فرجعوا فقالوا:
نبني صومعتك من ذهب، قال: أعيدوها من طين، فأعادوها من طين.
فيا ايها الاحباب الكرام :
الله الله في آباءكم وأمهاتكم ...
الله الله في طاعتهما وبرهما والإحسان إليهما فهما الجنه بعينها ..
وهما الميته الحسنه ، والعاقبه المرضيه ، والخاتمة الطيبه ، والرضا والرضوان ، والنعيم والجنان والفلاح والفوز ، والعتق والنجاه ..

أوحى الله سبحانه وتعالى إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه فقال :
يا موسى وقّر والديك، فإن من وقر والديه مددت في عمره، ووهبت له ولدًا يوقره، ومن عق والديه قصرت في عمره، ووهبت له ولدًا يعقه"

اسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم البر بآبائنا وأمهاتنا، وأن يجعلنا من القائمين بحقوقهما والعاملين على إرضائهما في طاعته سبحانه.
اللهم أعنا على بر آبائنا، اللهم أعنا على الإحسان إليهما،اللهم أعنا على طاعتهما،
اللهم اجعلنا عاملين في مرضاتهم يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين..
اللهم وارزقنا من يبرنا من أولادنا كما بررنا بآبائنا وأمهاتنا ..
ارزقنا من يدعوا لنا من اولادنا بعد موتنا كما دعونا لآبائنا وأمهاتنا ياسميع الدعاء ..
اللهم لاتتوفنا الا وانت راضٍ عنا مقبلين غير مدبرين محسنين لا مسيئين يا كريم يامتعال.
اللهم اطفيء لهيب الحروب والفتن في ارض اليمن
اللهم بدل حالنا لأحسن الاحوال ..
بدل حالنا من الخوف والرعب الى الأمن والأمان
ومن الشده والضيق الى الفرج  والسعه..
ومن الجوع الى رغد العيش والشبع والراحه..

هذا وصلوا وسلموا على نبيكم محمد فقد أمرتم بالصلاة عليه كما قال تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56]
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين..
---------------------------------------
للتواصل والاستفسار وإبداء الملاحظات :
جوال ( 00967777151620 )
ولمتابعه الخطب المكتوبه على الروابط التاليه :
١/
https://www.facebook.com/SheikhAhmedPage/
-----------------------
٢/
https://alahmed-ibb.blogspot.com/?m=1
-----------------------
٣/
 https://lecahmed.blogspot.com/
-----------------------
٤/
 http://talabah1.blogspot.com/?m=1
-----------------------------------
اللهم اجعلها صدقهً جاريهً لي ولوالدتي المرحومه..
وأنفع بها عبادك المسلمين اجمعين ...
واجعلني خيراً مما يظنون واغفر لي مالايعلمون..
------------------------------------
              والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِين


الجمعة، 12 أكتوبر 2018

🎤
خطبــة جمعـــة بعنـــوان        
[ أحبُّ الاعمال الى الله .. بِرُّ الوالدين ] ( ١ )
        السلسله الثانيه لأحب الاعمال الى الله
                         الخطبه {{ 16 }}
إعداد وتنظيم وإلقاء :
الاستاذ/ احمد عبدالله صالح
خطيب مسجد بلال بن رباح/
الجمهوريه اليمنيه - محافظة إب .
ألقيت في  5 أكتوبر 2018 م
الموافق  24 محرم 1440هـ

أما بعــــــــــــــــــــــــــــــد :ــ
ايها الأحباب الكرام :
لا زالت سلسلتنا المباركه الطيبه المثمره لأحب الاعمال الى الله مليئةٌ بالأعمال والطاعات والأخلاق التى يحبها الله جل وعلا ..
وكنت قد تحدثت معكم قبل حلول عشر ذي الحجه
عن عمل من الاعمال التى يحبها الله عزوجل لثلاث جمع متتاليه وهي الصلاه كما ورد ذلك في الحديث الذي في الصحيحين من حديث أَبِيْ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ رضي الله عنه قَالَ :
سَأَلْتُ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم :
 أَيُّ اْلأَعْمَالِ أَحَبُّ إَلىَ اللهِ تَعَالىٰ ؟
قَالَ {الصَّلاَةُ عَلىٰ وَقْتِهَا ))
واكمالاً لهذا الحديث يقول عبدالله بن مسعود :
ثُمَّ أَي ؟
اي ثم ماذا بعد الصلاه من عمل يحبه الله؟
 فقَالَ عليه الصلاة والسلام :  بِرُّ اْلوَالِدَيْنِ )

البَر بفتح الباء : هو خلاف البحر وهو التوسع في اللغه..
ويصف الله عزوجل ( إنّه هو البَرُ الرحيم )..
ويصف به العبد ( هذا بَرٌ بأمه )..

والبِـر بكسر الباء يكون في القول والاعتقاد
قال تعالى : ﴿ ليسَ البرَّ أن تُوَلُّوا وجوهَكُم قِبَلَ المشرقِ والمغرِبِ ولكنَّ البِرَّ مَن ءامَنَ باللهِ واليومِ الآخِر والملائكةِ والكتابِ والنبيِّينَ ﴾

فالبِر هو اسم جامع لكل خير.! والابرار جمع بار. ومن أراد ان يكون من الابرار لابد عليه ان يفعل البِر ..
وقد جاء في القران ما يبين جزاء هؤلاء الابرار فقال سبحانه في محكم الآيات والتنزيل :
" إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا" ﴿٥ الانسان﴾
" إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ " ﴿١٣ الإنفطار﴾
" كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴿ ٨المطففين﴾
" رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ " ﴿١٩٣ آل عمران﴾
" نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ"
﴿١٩٨ آل عمران﴾
ولذلكم يا كرام بِرُّ الوالدين :            
طاعةٌ من الطاعات الكريمه وعبادةٌ من العبادات الفاضله وهي فرضٌ على كل مسلم ومسلمه ..
قدمها الله عزوجل على الجهاد في سبيله لان
بر الوالدين فرض عين واذا قصرت في برهما فمن ذا الذي سيبرهما ؟؟
اما الجهاد فهو فرض كفايه قد يقوم به غيرك
واذا قام به البعض سقط عن الآخرين ..
ولذلكم أُخّرَ الجهاد وقُدم بر الوالدين عليه ..

ومن اجل ذلكم كان بر الوالدين من أعظم شعائر الدين قضى به ربنا عزوجل، وثنى به،
وقرنها بعبادته وتوحيده وذلك لبيان حقهما على الولد إذ أنهما السبب الظاهر والمباشر في وجوده قال الله تعالى :
 ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) ..
وقال تعالى :
( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) ..
كما قرن سبحانه شكرهما بشكره فقال :
( أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ )([188]) .
يقول ابن عباس رضي الله عنهما :
ثلاث آيات نزلت مقرونةً بثلاث لا تُقْبَل منها واحدة بغير قرينتها :
إحداها: قوله تعالى :
 ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ )
 فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه.
الثانية : قوله تعالى ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) فمن صلى ولم يزَّكِ لم يُقبل منه.
الثالثة: قوله تعالى ( أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ )
 فمن شكر الله ولم يشكر لوالديه لم يُقبل منه .

ولاجل ذلك كان بِرُّ الوالدين منقبةٌ من مناقب الانبياء وصفةٌ بارزةٌ لاوليائه ورسله ..
وربنا جل جلاله لما حكى مآثر النبيين ومناقب المرسلين، ذكر من ذلك برهم بآبائهم وأمهاتهم :
= فهذا قدوتنا ونبينا عليه الصلاة والسلام يقول أبي الطفيل رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بِالْجِعِرَّانَةِ يُقسّمُ لحمًا؛
إذ أقبلت امرأة فبسط لها ردائه عليه الصلاة والسلام الذي يستر به نصفه الأعلى خلعه وبسطه فجلست عليه تلك المرأة، فقلت: من هذه؟ قالوا: "أمُّهُ التي أرضعته" حليمة السعدية رضي الله عنها التي شرّفها الله بأن تكون مرضعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يبسط لها ردائه من أجل أن تجلس عليه ..

 وليسمع هذا الكلام أناس ، الواحد منهم إذا علا كعبه، وعَظُمَ قدره، وتسمن من المناصب مكانًا رفيعًا، أو فتح اللهُ عليه من المال شيئًا كثيرًا،
فإنه لربما يترفع عن بر أبيه وأمه ..
لربما يترفع عن الخضوع لهما والذل بين أيديهما..

= وهذا نبي الله يحيى بن زكريا على نبينا وعليه الصلاة والسلام يثني عليه ربه جل جلاله فيقول: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا) [مريم: 14].

= واطرى الله على عيسى عليه السلام الذي اعترف بفضل امه وخفض الجناح لها حينما نطق في المهد فقال: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) [مريم: 30- 32].

= وهذا نبي الله نوح عليه السلام يدعوا لوالديه فيقول :
( ربِّ اغفِرْ لِي وَلِوالديّ ولمِنْ دَخَلَ بيتيَ وَلِلمؤمنين والمؤمنات ) ..

= وهذا الخليلُ ابراهيم عليه السلام يدعو أباه إلى الله ، يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر في عبارة قشيبةٍ وأدبٍ رفيع بكلمة ( يا ابتِ ) التى تُشعر بالخضوع والبر وتوحي بالرحمه والموده لوالده :
(يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا *...
يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا *....
يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا *...
يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) [مريم:42- 45].

فكان أبوه قاسيًا فظًّا غليظًا يقول ربنا على لسانه:
(قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) [مريم:46]
ومع ذلك لا يقابل الخليل إساءة أبيه بمثلها،
ولا يقابل الفظاظة بمثلها، ولا الغلظة بمثلها بل يقول له بإدبٍ لامثيل له :
(سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) [مريم: 47].
 فماذا كان جزاء هذا البر بأبيه المشرك ؟؟
 كان جزاؤه في الدنيا أن رزقه الله عزوجل غلامًا تقيًّا عابدًا زكيًّا مؤدبًا مهذبًا مطيعًا حتى في حال الموت يقول لأبيه :
(يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) [الصافات: 102].                                          
هكذا كان أنبياء الله في برهم لآباءهم المشركين الذين قسوا عليهم وتوعدوهم بالقتل ان استمروا في دعوتهم وعدم طاعاتهم ..
هكذا عاملوهم باللطف والإحسان، والصلة، والمحبة، والكلام الليّن، وتجنب الكلام الغليظ، ورفع الصوت، ومناداتهم بأحب الألفاظ، كيا أمي، ويا أبي وياابتي ، ومعاشرتهم بالمعروف، ولاسبّ
ولا إيذاء ولاقسوة ولالعن ولاكراهيه..

روى البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
"ما من مسلم يكون له والدان يصبح إليهما محتسبًا إلا فتح الله له بابين إلى الجنة، وإن كان واحدًا فواحد، وإن أغضب أحدهما لم يرض الله عنه حتى يرضى عنه"
 فقيل له: يا ابن عباس "وإن ظلماه"؟
 ألا فاسمعوا هذا الكلام،
فإن شبابًا يشكو الواحد منهم أن أباه يظلمه،
وإن فتاة تشكو أن أمها تظلمها، ربما قست عليها، ربما قست عليها بلسانها تقول ظلمتني، يقول الشاب ظلمني أبي..
يابن عباس ( وإن ظلماه .؟؟)
فقال : "وإن ظلماه، وإن ظلماه، وإن ظلماه"
وإن تكرر الظلم مرة بعد مرة، وإن لم ينفق عليك أبوك فبرّه واجب، وإن أساءت إليك أمك فبرها واجب.
 هذا الذي يأمرنا به شرع الله، وهذا الذي يفتي به من تفقهوا في دين الله، وهذا هو السبيل الذي يسلكه من أراد رضوان الله.

فهؤلاء هم أنبياء الله وأوليائه ورسله ..        
اما سلفنا الصالح من الصحابه والتابعين وتابعيهم فلما علموا بعظم حق الوالدين، قاموا به حق قيام :-
- فهذا الصحابي الجليل والإمام العلامة
أبو هريرة رضي الله عنه كان إذا أصبح يأتي فيقف على باب أمه ويقول لها:
"السلام عليك يا أماه ورحمة الله وبركاته"
فتقول له: "وعليك السلام يا بني ورحمة الله وبركاته"
فيقول لها: "رحمك الله كما ربيتني صغيرًا"، فتقول له: "رحمك الله كما بررتني كبيرة".

- وهذا محمد بن سيرين كان إذا كلم أمه كأنه يتضرع ..
ويقول عنه ابن عوف:
دخل رجل على محمد بن سيرين وهو عند أمه، فقال: ما شأن محمد أيشتكي شيئاً؟
قالوا: لا، ولكن هكذا يكون إذا كان عند أمه.

- وهذا أبو الحسن علي بن الحسين زين العابدين رضي الله عنهم كان من سادات التابعين،
وكان كثير البر بأمه حتى قيل له:
 إنك من أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة، فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها، فأكون قد عققتها.

- وهذا حيوة بن شريح، وهو أحد أئمة المسلمين والعلماء المشهورين، يقعد في حلقته يعلم الناس ويأتيه الطلاب من كل مكان ليسمعوا عنه، فتقول له أمه وهو بين طلابه: قم يا حيوة فاعلف الدجاج، فيقوم ويترك التعليم.

وهذا عبد الله بن عون نادته أمه من بعيد، فأجابها من بعيد، فعلى صوته صوتها اي (صار أرفع) فأعتق رقبتين.

وكان عروة بن الزبير يقول في سجوده:
اللهم اغفر للزبير بن العوام وأسماء بنت أبي بكر.

وكان أبو يوسف الفقيه يقول:
اللهم اغفر لأبوي ولـأبي حنيفة .

وكان طلق بن حبيب يقبل رأس أمه، وكان لا يمشي فوق ظهر بيته وهي تحته إجلالاً لها.

ودخل أحدهم مع أبيه السجن، فاحتاج الأب لماءٍ مسخن، فمنعه السجان من الحطب، فقام الولد إلى إناء، فأدناه من المصباح، فظل واقفاً حتى الصبح؛ كي يجهز لأبيه ماءً دافئاً.

هذا غيض من فيض مما ذكره التأريخ لهذه النماذج من بر السلف لآبائهم وأمهاتهم، وحريٌ بنا ان نقتدي ونتأسى بهؤلاء الذين قال الله عنهم وأمر بالاقتداء بهم :
( أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ )
الإنعام - ٩٠
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبه الثانيه :
أما بعــــــــــــــــــــــــــــــد :ــ
ايها الأحباب الكرام :                                
إنّ موضوعًا تحدث عنه القرآن، وتواترت به النصوص لابد من طرقه، والتذكير به في هذه الأيام ..
هذه الأيام التي عظُمت فيها الفتن وتتابعت على الناس فيها المحن، وانبهمت المقاصد على كثير من الشباب، فقدموا ما حقه التأخير وأخّروا ما حقه التقديم، وغابت عنهم كثير من التعاليم والمفاهيم ومن هذه المواضيع المهمه بمكان والتى تعتبر من احب الاعمال الى الله عزوجل :
               " بر الوالدين "
ومن الوفاء أن لا ينسى الإنسان المعروف ولا يجحد الفضل .!
وفضل الوالدين على الأبناء عظيم ولذلك لم تكتف آيات الإسراء بالأمر بالإحسان إلى الوالدين في الدنيا فحسب بل بعد موتهما أيضاً :
 ( وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ) ..

وقد بينت السنة المطهرة الطرق التي يستطيع الإنسان أن يبرّ والديه بعد موتهما من خلالها،
فحدّث مالك بن ربيعة الساعدي رضي الله عنه قال: بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل من الأنصار فقال :
 يا رسول الله هل بقي عليّ من برّ أبويّ شيء بعد موتهما أبرّهما به ؟ قال : نعم خصال أربع :
 الصلاة عليهما،والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلةُ الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهو الذي بقي عليك بعد موتهما} .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
{ترفع للميت بعد موته درجته فيقول:
أي ربي أي شيء هذا؟ فيقول له:
ولدك استغفر لك}
وفي الحديث:«إن الرجلَ ليرتفعُ في الجنةِ، فيقولُ: أَنَّى لي هذا؟ فيقال: باستغفارِ ولدِك لك».

فاستغفر لوالديك أو لمن مات منهما وردد قائلاً:
( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ )
( وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً )
وأكثر من الدعاء لهما فلقد انقطع عملهما من الدنيا إلا من ثلاثة ، وأنت واحدٌ منها .
 قال سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم  {إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له} .
فلا تبخل أُخيّ على والديك بعد موتهما بالدعاء لهما والاستغفار، واستمطار الرحمة عليهما والرضوان، وتحرى أوقات الاستجابة والغفران.

ثم عليك أيضاً إنفاذ وصيتهما والصدقة عنهما، عن ابن عباس رضي الله عنهماأن رجلاً قال :
إن أمي توفيت ولم توص أفينفعها أن أتصدق عنها؟ {قال : نعم}.
وعن سعد بن عبادة قال: {قلت يا رسول الله إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، قلت:
فأي صدقة أفضل ؟ قال: سقي الماء} ..

ولا يتوقف اخوتي الكرام البر بالوالدين عند الدعاء والاستغفار والصدقة بل يمتدّ أيضاً ليشمل أموراً أخرى كثيرة منها:
- قضاء النذر عنهما فلقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سعد بن عبادة استفتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
إن أمي ماتت وعليها نذر، فقال: {اقضه عنها} ..

- ومنها قضاء الصوم عنهما، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {من مات وعليه صوم صام عنه وليه} ..
وعن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟
قال: {نعم فدين الله أحق أن يقضى} .

- ومن ذلك أيضاً الحج عنهما فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفحج عنها؟ قال: {حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا دين الله ، فالله أحق بالوفاء} ..

- ومن ذلك صلة أصدقائهما فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إن أبرّ البرّ أن يصل الرجل أهل وُدِّ أبيه} ..

 وقال عليه الصلاة والسلام:
 (من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من بعده)..
 فإذا أردت صلة لأبيك المتوفى فصل أقرباءه أو صل أصحابه وأصدقاءه بعد موت الأب، زرهم وتفقدهم ولو بهدية.
وعن أبي بردة قال: (قدمت المدينة ، فأتاني عبد الله بن عمر فقال: أتدري لم أتيتك؟ قلت: لا. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من بعده، وإنه كان بين أبي عمر وأبيك إخاء وود، فأحببت أن أصل ذلك) حديث صحيح.


اما من قصر في بر والديه في حياتهما وندم على ما فرط في حقهما وخاف عاقبة العقوق فلا ييأس من روح الله ولا يقنط من رحمته، وليعلم أن باب الإحسان إليهما مفتوح على مصراعيه، فليدخل منه داعياً ومستغفراً لهما، وصائماً عنهما وحاجاً لهما وواصلاً أهل ودّهما، وإنما يتقبل الله من المتقين.

ولا يظنُّ من وفَّقَه اللهُ في القيامِ ببعضِ الحقوقِ أنه قد قامَ بما عليه،وقد جزى والديه حقَّهُما، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«لا يجزي ولدٌ والِدَه، إلا أنْ يجِدْه مملوكاً فيشترِيه، فيعتقه» .
ورأى ابن عمر رضي الله عنهما رجلاً يمانيًّا بالبيت، قد حمل أمَّه وراءَ ظهرِه، وهو يقول :
إنِّي لها بعيرُها المذلَّلُ
                         إنْ أذْعَرَتْ رِكابُها لم أُذعَرُ
ثم قال: يا ابنَ عمرَ، أتراني جزيتُها ؟
قال: لا، ولا بزفرةٍ واحدةٍ؛ أي: عندَ الولادةِ.

وجاء رجلٌ إلى أميرِ المؤمنين عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه ، فقال:
 إن لي أمًّا قد بلغ منها الكبرُ، أنها لا تقضي حوائجَها، إلا وظهْري لها مَطِيةٌ، فهل أدَّيتُ حقَّها؟

فقال الفاروقُ المحدَّثُ  رضي الله عنه :
"لا؛ لأنها كانت تصنعُ بك ذلك، وهي تتمنَّى بقاءَك، وأنت تصنعُه، وأنت تتمنَّى فراقَها"
ولكنك محسنٌ، واللهُ يجزي المحسنين على القليل الكثير.

وختاماً ومن هنا من منبر رسولنا الكريم أدعوكم جميعاً أيها الحاضرون والحاضرات أن لا تخرجوا من هذا المسجد المبارك إلا وقد عاهدتم الله أنه من كان بينه وبين والديه شنآن أو خلاف أن يصلح ما بينه وبينهم ..
ومن كان مقصراً في بر والديه فليتب ويعاهد الله من هذا المكان أن يبذل وسعه في بر والديه.

فهي دعوه أوجهها في هذه الجمعه لمعشر الشباب والفتيات  والأبناء والبنات :-
من أراد بحبوحة الجنة ..!
من أراد رضوان الله عزوجل ..!
من أراد شفاعة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ..!
من أراد سعادة الدنيا والآخرة فعليه ببر والديه كليهما أحياءً وأمواتًا..
فلا تصحب إلا من يأمرك ببر والديك..
 إلا من يحضك على طاعتهما ..
إلا من يزين لك الإحسان إليهما..

وأما أنت أيها العاق فاعلم أنك مجزي بعملك في الدنيا والآخرة ..
ولو لم يكن في عقوقِ الوالدين وتركِ برِّهِما،
إلا أنه غصصٌ وأنكادٌ يتجرَّعُها مَن لم يألُ جَهْداً في الإحسانِ إليك، لكان كافياً لصاحبه على تركِه.. يقول العلماء :
 كل معصية تؤخر عقوبتها بمشيئة الله إلى يوم القيامة إلا العقوق، فإنه يُعجّلُ له في الدنيا، وكما تدين تدان.
بل واسمع معي وخذها مني حزن الوالدين عقوق:
فعن عليَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {من أحزن والديه فقد عقها} ..
وبكاء الوالدين عقوق :
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {بكاء الوالدين من العقوق}

وتعمدك إحزانهما وإبكائهما عقوق ..
وعواقب عقوق الوالدين او شتمهما او إيذائهما وخيمةٌ وعظيمة :
ففي الحديث المشهور ليله الاسراء بالرسول الى السموات العلى يقول عليه الصلاة والسلام :
" رأيت ليلة اسري بي اقواماً في النار معلقين في جذوعٍ من نار فقلت يا جبريل من هؤلاء ؟؟
قال : هؤلاء الذين يشتمون آباءهم وامهاتهم في الدنيا ."
بل وروى انه من شتم والديه ينزل عليه في قبره جمرٌ من نار بعدد كل قطر من السماء الى الارض.
وها هو رسول الله  يدعو على من أدرك أبويه
أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة، فيقول كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه :
 ((رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك أبويه عنده الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة)).

اللهم أعنا على بر والدينا،اللهم أعنا على الإحسان إليهما،اللهم أعنا على طاعتهما..
اللهم اجعلنا عاملين في مرضاتهم يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين..

اللهم جازهم على كل ليله سهروا فيها من اجلنا..
وعلى كل لحظه تعبوا فيها من اجلنا...
وعلى ألم عانوه من اجلنا..
وعلى كل شدةٍ وضيقٍ ذاقوه بسببنا..

اللهم وفق الأحياء منهما، وعمّر قلوبهما بطاعتك،
ولسانهما بذكرك، واجعلهم راضين عنا ..
اللهم من أفضى منهم إلى ما قدم، فنوّر قبره، واغفر خطأه ومعصيته ..

اللهم اجزهما عنا خيراً، اللهم اجزهما عنا خيراً، اللهم اجمعنا وإياهم في جنتك ودار كرامتك، اللهم اجعلنا وإياهم على سرر متقابلين يسقون فيها من رحيق مختوم ختامه مسك.
اللهم قد قصرنا في ذلك وأخطأنا في حقهما، اللهم فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسرفنا وما أعلنا، واملأ قلبيهما بمحبتنا، وألسنتهما بالدعاء لنا، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم انا نسألك من خير ما سألك منه عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم وعبادك الصالحون ونستعيذك من شر استعاذك منه عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم وعبادك الصالحون..
اللهم انا نسألك خير المسأله وخير الدعاء وخير العمل وخير الثواب ، ثبتنا وثقل موازيننا ويمن كتابنا ويسر حسابنا ورقق قلوبنا وارفع درجاتنا وثبت على الصراط أقدامنا ونجنا من كربات القيامه ..
هذا وصلوا وسلموا على رسولنا الكريم واعلموا
أن الله تبارك وتعالى قال قولاً كريمًا تنبيهًا لكم وتعليمًا وتشريفًا لقدر نبيه وتعظيمًا:
(إن اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56] اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وخلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية الصحابة والقرابة وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وفضلك يا أرحم الراحمين ..
---------------------------------------
للتواصل والاستفسار وإبداء الملاحظات :
جوال ( 00967777151620 )
ولمتابعه الخطب المكتوبه على الروابط التاليه :
١/
https://www.facebook.com/SheikhAhmedPage/
-----------------------
٢/
https://alahmed-ibb.blogspot.com/?m=1
-----------------------
٣/
 https://lecahmed.blogspot.com/
-----------------------
٤/
 http://talabah1.blogspot.com/?m=1
-----------------------------------
اللهم اجعلها صدقهً جاريهً لي ولوالدتي المرحومه..
وأنفع بها عبادك المسلمين اجمعين ...
واجعلني خيراً مما يظنون واغفر لي مالايعلمون..
------------------------------------
              والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِين

الجمعة، 28 سبتمبر 2018

🎤
خطبــة جمعـــة بعنـــوان
{ قصة موسى وفرعون }.   [ 2 ]

إعداد وتعديل واضافه وإلقاء :
الاستاذ/ احمد عبدالله صالح
خطيب مسجد بلال بن رباح/
الجمهوريه اليمنيه - محافظة إب .
ألقيت في  28 سبتمبر 2018 م
الموافق  18 محرم 1440هـ

أما بعــــــــــــــــــــــــــــــد :ــ
ايها الأحباب الكرام :
كنا في الجمعه الماضيه في ضيافه نبي الله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام
تحدثنا فيها عن حواره عليه السلام مع ربه سبحانه وكيف تلقى منه سبحانه التوجيهات والتعليمات التى ستعينه في رحلته لدعوه اكبر طغاة الارض فرعون عليه من الله ما يستحقه ..!

أخذ عليه السلام من ربه برهانين وآيتين ليواجه بهما فرعون وطلب من ربه طلبين لكي تتكلل مهمته بالنجاح فقال :
( رب اشرخ لي صدردي ويسر لي امري وأحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ....))
ثم طلب منه الطلب الثاني فقال :
( واجعل لي وزيراً من اهلي هارون أخي )
وهنا يعطيه ربه سبحانه ماسأل فيقول له
( قد أوتيت سؤلك ياموسى )
ثم يأمره ربه بأن ينطلق لفرعون وتكون أداه دعوته اليه ( فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر او يخشى )

وهنا ينطلق موسى إلى قصر فرعون ليبلغه
الرسالة ويُقيم عليه الحجه ويبرأ الى الله منه ان استمر في عناده وكفره وحجوده ..

نعم احبتي الكرام :
يدخل عليه السلام القصر الفرعوني وتبدأ الحوارات بين موسى وفرعون ...
حوار عن الدعوة لتوحيد الله وإفراده بالعباده .
وتبدأ مناظرة موسى مع فرعون الطاغيه
وكماقال بعض المفكرين :
 انها كانت مناظره جدليه ، تنظيريه ، عسكريه اقتصاديه ، تربويه في نفس الوقت ...
دخل موسى عليه، ووقف هارون بجانبه ..!
موسى يتكلم،موسى يتحدث، موسى يفصح واخاه هارون بجواره يثبت ويساعد، ويساند ويقوي والمجرم ينظر إليهما بعلو وعتو وجبروت، واستصغار لأنه صور نفسه أنه ربٌّ، وأنه صانع.!

أنكر توحيد الربوبية، وادعى ذلك لنفسه؛ كبراً وعتوّا، وإن كان في الباطن يوقن بربوبية الله للكون، كما قال له موسى عليه السلام :
 ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لاظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُوراً ﴾ [الإسراء: 102]..
فلما تكلم موسى، ودعا فرعون إلى الله عزَّوجلَّ ضحك منه ، ضِحْك استهزاء واستهتار؛وسخريه
لأنه مستخف بالقيم، يدوس التاريخ بقدميه يجعل المروءات خلف ظهره لا يُقيمُ للمثلِ وزناً ولا قيمةً ولاتقديراً او احتراماً ..
 أخذ فرعون ينظر إلى موسى على أنه راعي غنم، يحمل عصاه على كتفه، وأنه أتى من الصحراء، حيث لا حضارة ولا تقدم، ثم ينظر إلى نفسه فيرى الدنيا تحت قدميه، فيزداد كبراً وصلفاً.

وهكذا يفعل الطغاة، يوم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، يوم لا يصلون، ولا يخافون من الواحد الأحد، هكذا يفعل كل فرعون إلى أن تقوم الساعة.
 فانبرى الخسيس من على كرسيه وسأل موسى سؤالاً تافهاً حقيراً مثله :
﴿ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى ﴾ [طه: 49]
فهو لا يعرف ربّاً ولا يؤمن بإله، فماذا كان جواب موسى.. قال له موسى بعزه المؤمن ونجابه الابطال ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ [طه: 50]
 فإن كنت تستطيع ذلك فأنت رب ..!
وإن كنت لا تستطيع فلست برب، وأنّى لك ذلك!
قال الزمخشري : لله دره من جواب.
 وقال آخر : والله لقد تناوله موسى بكفٍّ على وجهه، وتحت كلمة (خَلْقه) مجلدات من العبر، وتحت كلمة (هدى) مجلدات من الصور.
هدى كل شيء :                      
- هدى الطفل يوم أن وضعته أمه،لا يعرف شيئاً، ولا يبصر شيئاً، فهداه إلى ثدي أمه ليجر منه اللبن.
 - وهدى النحلة أن تطير آلاف الأميال، لتأخذ الرحيق، وتعود مرة ثانية إلى خليتها.
 - وهدى الحمام الزاجل، يوم ينقل الرسائل،
من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد، ثم يعود إلى مكانه لا يضل ولا يضيع.
 إنه الله يافرعون .. انه الله :
﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ [طه: 50]..
فهزم فرعون وبهت، وظهر فشله وعجزه، ولكنه أتى بسؤال آخر كالذي قبله أو أتفه منه فقال :
﴿ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى ﴾ [طه: 51]،
أين ذهب أجدادنا ؟؟ اين آباؤنا؟
أينّ ذهب الأولون ؟ وماذا حل بهم ؟
فقال الله نبي الله موسى وهو يلقنه درساً ماثلاً في العقيده :
﴿ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى ﴾ [طه: 52]
ما شأنك أنت بهذا؟ ما أهمية هذه المسألة عندك؟ أنت ذرة من الذرات، وأنت حشرة من الحشرات.
أَنْتَ لا تَعْرِفُ مَنْ أَنْتَ وَلاَ
                       أَنْتَ لا تَدْرِي بِمَاذَا قَدْ تَؤولُ
أَنْتَ مَخْلُوقٌ حَقِيرٌ بَائِسٌ
                      أَنْتَ لا تَدْرِي إِلَى أَيْنَ الرَّحِيلُ
 ﴿ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى ﴾ [طه: 52].
 فهزمه موسى مرة ثانية، وانتصر عليه، وفضحه أمام الجماهير، وبيّن عجزه أمام الأجيال وبقي موسى إلى قيام الساعة يُذكر في مواكب الأنبياء المخلصين، وفي مواكب الدعاة الخالدين.

استمر الحوار بين موسى وفرعون طويلاً  وصار موسى يلقن فرعون دروساً في التوحيد ومحاضرات في العقيده ومواعظ في الإيمان بالله

أخذ موسى يسرد له الدلائل تلو الدلائل والبراهين تلو البراهين على وحدانية الله وربوبيته وألوهيته
وانه وحده سبحانه المستحق للعباده والتوجه والقصد والاخلاص ..
والكل يسمع , آذانهم صاغيه وابصارهم شاخصه..
الكل مندهش والكل في ذهول من موسى الذي قال عنه فرعون فيما سبق :
(( وَلا يَكَادُ يُبِينُ  ))
هاهو الآن لسانه تنطلق وكلماته فصيحه وعباراته واضحه ولباقته كالسهام منطلقه...!
ولكم ان تتصوروا هذا المشهد الرائع والجميل
مشهد نبي الله موسى عليه السلام واقفاً امام فرعون وجنوده وحاشيته وبطانته وملأه وهو يزأر كالليث وينقض كالصاعقه ، يشرح ويفصل ويبين ويوضح بلين ورفق وبأسلوبٍ مليء بالبراعه والبلاغه في الاستهلال والبيان ..

وكما ذكر اهل السير انّ كلمات موسى عليه السلام القويه والمؤثره بدت بالفعل تؤتي ثمارها في نفس فرعون وقلبه شيئاً فشيئا ..

ظهرت علامات التغيّر في نفس فرعون من عبارات موسى البليغه التى ألقاها الله على لسانه ..

وبدأ الايمان ببطء ورويداً رويدا يتسلل الى قلب فرعون ..
وفي لحظة فارقه التفت فرعون الى هامان فقال له: ياهامان اني ارى ان موسى على حق فيما يقول ولقد وعدني بالملك في الدنيا والجنه في الاخره إن انا آمنت بربه ..

فماذا قال له هامان السيء وبئس الهامان هو؟؟ماذا قال هامان باسم البطانه السيئه وهكذا تفعل البطانه العفنه بحكامها يوم تدب معرفه الله في قلوبهم ويريدون الحكم بشريعه الله..
هكذا تفعل هامانات اليوم بالحكام يوم يصورون لهم الحق باطلاً والباطل حقاً والظلم عدلاً والشر خيراً والتسلط خلقاً والسنه بدعةً والعلم جهلاً والرشوه والحرام حلالاً ..
قال هامان بلسان الساخر :
آضحك عليك موسى .! اخدعك موسى .!؟
أبعد ماكنت إلهاً معبوداً تصبح في لحظه عبداً مستعبداً ..!
وهكذا تفعل البطانه السيئه في كل زمان ومكان .

ومروراً ببرهان عصا موسى التى أخذت تلقف عصيّ سحره فرعون حتى كانت سبباً لإيمانهم بالله والامر الذي دفع بفرعون بتهديد السحره بالقتل وتصليبهم، فثبتهم الله على دينه ولم يعبئوا بتهديد فرعون فقالوا :
( لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)
فقتلهم ونفذ فيهم وعيده؛ ولكنهم دعوا الله وقالوا: (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ)
فتوفاهم الله مسلمين ، مؤمنين ، موحدين ..
وعند هذا تمت الجولة الأولى بين موسى وفرعون فازداد تصلف فرعون وبطشه وأزداد طغيانه وعتوه وظلمه وحنقه ..
عندها أمر الله موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر في آخر الليل قائلا :
(( فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ))
[ الدخان: 23 ] .
 فخرج بهم بأمر الله سبحانه وتعالى وهنا تترامى الأنباء الاستخباراتية الى فرعون انّ موسى قد خرج مع نفرٍ من بني اسرائيل فأحتنق غيظاً وهدد وأرغَ وأزبد وجمع ما عنده من القوة والجنود فخرج بهم في آثر موسى وقومه يريدون قتله لانه اراد ان يحررهم ... ويقولون لا..
يريد ان يرفع رؤسهم .. ويقولون لا ..
يريد ان يخرجهم من الظلمات الى النور .
... ويقولون لا ..
يريد ان يخرجهم من عبوديه الأشخاص الى عبوديه الله ... ويقولون لا ...

 فلما أشرق الفجر إذا موسى وقومه على حافة البحر، وإذا فرعون وقومه على آثارهم قد أدركوهم
فأصبح موسى بين الموت يراه بالبحر وبين فرعون وجيشه الذي اصبح من ورائه ..
ارتعدت فرائص بنو اسرائيل ، خاف الخونه
انهارت حول موسى الكتائب يا موسى :
(  إِنَّا لَمُدْرَكُونَ )
فتبسم عليه الصلاة والسلام كما تبسم محمد صلى الله عليه وسلم في الغار..
والتبسم في وجه الموت امرٌ لايجيده إلاّ العظماء
إلاّ الابطال ، إلاّ الشجعان ، إلاّ المصلحون
إلا الربانيون ..
فتبسم وقال بلسان الواثق بمعية الله ونصره وتأييده : (كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ)
وما اروعها من كلمه وما الذها من عباره
رددها عند شدتك (كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ)
وكررها عند مصيبتك (كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ)
وألزمها عند همومك (كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ)                                      
            (كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ)
فقالوا له : اينّ يهديك وفرعون خلفك والبحر امامك
هذه ورطه لا حل لها ..!!
هذا مضيق لامخرج منه في عرف البشر .!
فجعل يكررها لهم : (كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ)..!
ولك أن تتخيل الحوار بين موسى وقومه وهم لايشاهدون أمامهم إلا بحراً متلاطماً ويرون وراءهم جنوداً قادمين يتقدمهم الطاغية فرعون بكل حقد وكراهية ..
اشتد الخوف ، زاد القلق وكل لحظه تمر إذ بجيش فرعون يقترب ..
وفي لحظه قرب واتصال بالله يتلقى عليه السلام مكالمه طارئه مكالمه عالجه !!؟
من يهاتفه ؟؟ ومن يكلمه .!؟
انه الذي وعده بالحفظ والرعايه والعون والمدد .؟
يتلقى مكالمه من الرحمن الرحيم مفادها :
(( فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ))
فضرب بعصاه البحر فانفلق البحر اثنى عشر طريقاً وصار الماء السيال بين هذه الطرق كأطواد الجبال..
مشى موسى فيه ومشى معه بنو اسرائيل وأتى الطاغيه المجرم ليجرب اخر صوله له في عالم الضياع وفي عالم الاستبداد والعنجهيه ومصارع الطغاه ..
والطغاة لهم مصارع :
- إما ان تلعنهم القلوب وهم يسيرون على الارض وهذا مصرع ..
- وإما ان يُشدخون كما شُدخ هذا وهذا مصرع .
- واما ان يدخر الله لهم ناراً وهذا مصرع ..

دخل فرعون وجنوده البحر ليسلكوا في تلك المسارات .
ولكنهم لايعلمون بأن الذي أوقف البحر هو الله
وأن الذي سيعيد البحر لطبيعته هو الله .
ولما اكتمل الجنود الكفرة ، يأمر الله البحر أن يعود كما كان ، فيستجيب البحر ويجتمع على فرعون وعصابته حتى دخل الطين في فمّ الطاغيه ..

حتى قال جبريل عليه السلام لنبي الله موسى :
لو رأيتني ياموسى وانا ادس التراب في فمه حتى لاينطق بكلمةٍ يرحمه الله بها ..

فما ارحم الله وما الطفه بعباده وهو القائل لموسى
عليه السلام : ياموسى استغاث بك فرعون سبعين مره فلم تغثه اما انه لو استغاث بي مرةً واحدة لاغثته...

احبابي الكرام روّاد مسجد بلال بن رباح :                    
وفي لحظات الوداع ، وفي اللحظات الاخيره
وفي الوقت الضائع الذي لاينفعُ فيه ندم ولاحسره
قال فرعون :
 ( آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ  )
قال المفسرون انّ فرعون آمن ثلاث مرات في اخر لحظات حياته :
مره حين قال ( آمَنتُ )..
وثانيه حين قال ( آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ )..
وثالثه حين قال ( وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ )  ..
ومع ذلك لم تقبل توبته لانها كانت في وقت متأخر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" ان الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر )
والله يقول :
﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ ..))
ولذلكم يعلنها فرعون في لحظاته الاخيره وفي وقته الضائع :
( حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) يونس.  90 ..
فقال الله له :
( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * )) يونس 91
في هذه اللحظه أعلنتها بعد ان فعلت الافاعيل..
في هذه اللحظه اعلنتها بعد اجرامك وتجبرك وتكبرك وعتوك وظلمك وغطرستك .
في هذه اللحظه أعلنتها بعد ان ذبحت الاطفال واستحييت النساء ..
في هذه اللحظة أعلنتها بعد ان سفكت الدماء وقتلت الأبرياء وعثت في الارض فسادا ..
في هذه اللحظه أعلنتها بعد ان دست على المثل والقيم والمبادئ والأجيال تحت قدميك ..

اينّ ملكك .! اينّ قوتك .! اين ثروتك .!    
اينّ قصورك .! اينّ جبروتك .!
اينّ جنودك ،! اين حرسك .!
ليدفعوا عنك الموت ..! ويردوا عنك الأجل .!
اينّ اولئك الرعاع الأغبياء البلداء الذين كنت تلقي عليهم الخطابات فيهتزون لها طرباً وفرحاً ..
اولئك الذين استخففت بعقولهم فأطاعوك .!
الذين كنت تقول لهم( مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) فاين ألوهيتك ؟
وكنت تقول لهم  (أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى)  فاين ربوبيتك؟
وكنت تقول لهم ( وَهَذِه الأنْهارُ تَجْرِي منْ تَحْتي )
وهانحن اليوم نجريها من فوقك .
(( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ))
لتكون عبرة للمعتبرين ، وعظةً للمتعظين
وآيةً للسائلين ، وذكرى للذاكرين ...
 ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى ﴾ [يوسف: 111].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبه الثانيه :
أما بعــــــــــــــــــــــــــــــد :ــ
ايها الأحباب الكرام :
في هذه القصة الكثير من الدروس والعبر:
فمن الدروس والعبر المستفاده والمستقاه والمستلهمه من قصه موسى وفرعون :
(( أن الحرب بين الإيمان والكفر قديمة وليست هي من نتاج هذا العصر ))
قال الله: (( وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا )) [البقرة: 217 ] .

ومن الدروس والعبر المستفاده والمستقاه من قصه موسى وفرعون :
((  الاعتصام بلا إله إلا الله  ))
 فهذه الكلمة من أجلها أنزلت الكتب، وأرسلت الرسل، وخلقت السماوات والأرض، وأقيمت المعالم، وبذلت الأموال، وشهرت السيوف.
 فلا بد أن نعتصم بهذه الكلمة ..
ولا بد أن نفتخر بهذه الكلمة ..
ولا بد أن تسيطر على حياة كل واحد منا :
 على الأمير، على الوزير، على القاضي،
على المسؤول، على الصحفي حين يكتب،
على الشاعر حين ينظم، على الأديب حين يبدع.
                                   
ومن الدروس والعبر المستفاده والمستقاه من قصه موسى وفرعون :
((  قضية الإيمان باليوم الآخر ))
فإذا لم نجعل هذه القضية أمامنا، وفي أذهاننا، فلا سلام، ولا أمن، ولا استقرار، ولا طمأنينة،
لأن الذين نسوا اليوم الآخر، تقاتلوا، وتحاسدوا، ودمر بعضهم مدن بعض، وأطلقوا صواريخهم، وقتلوا الآمنين، كل ذلك لأنهم لا يؤمنون باليوم الآخر.

 ومن الدروس والعبر المستفاده والمستقاه من قصه موسى وفرعون :
(( قضية النصرة  ))
ينبغي أن نعلم أن الله عزَّوجلَّ ينصر أولياءه، ويدافع عن أحبابه، ولو ظهروا على الساحة أنهم هم المهزومون، هم القليلون، هم المضطهدون، فالعاقبة لهم، والنصر حليفهم.
 ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا الذينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ ﴾ [غافر: 51].

ومن الدروس والعبر المستفاده والمستقاه من قصه موسى وفرعون :                                    
(( على الداعية أن يعرف مداخل القلوب ))
 وأن لا يكون عنيفاً في أسلوبه، مجرّحاً للشعور:
 ﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: 159].
 يدخل أحد الأعراب على هارون الرشيد، الخليفة العباسي الكبير، فقال الأعرابي: يا هارون.
قال: نعم. قال: إن عندي كلاماً شديداً قاسياً فاستمع له.
 قال هارون: والله لا أسمع، والله لا أسمع، والله لا أسمع. قال: ولم؟
قال: لأن الله أرسل من هو خير منك، إلى من هو شر مني، ثم قال له:
 ﴿ فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: 44].
فاللين في الدعوة مطلوب، وأدب الحوار مطلوب، وإنزال الناس منازلهم مطلوب، ومراعاة شعور الآخرين مطلوب.

ومن الدروس والعبر المستفاده والمستقاه من قصه موسى وفرعون :  
(( الصبر والثبات على البلاء الذي يحيط بأهل الإيمان ))
 فانظر في السحرة الذين توعدهم فرعون بالقتل بسبب إيمانهم ومع ذلك لم يتراجعوا عن دينهم بل قالوا(( إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا)) [طه: 73
وقالوا: (( أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ))
[الأعراف: 126 ] ..

ومن الدروس والعبر المستفاده والمستقاه من قصه موسى وفرعون :                                    
(( لا خوف على المسلم، فإن النفوس بيد الله، والأرزاق في خزائن الله، فهو الذي يحيى ويميت، ويغني ويعدم، وينفع ويضر، بيده مقاليد كل شيء، لا إله إلا هو، ولا رب سواه ))

ومن الدروس والعبر المستفاده والمستقاه من قصه موسى وفرعون :
(( اليقين بقوة الله وانتقامه من الطغاة وأنه يمهل ولايهمل ))
فانظر في فرعون الذي كان يقول عن الأنهار
" وهذه الأنهار تجري من تحتي " [ الزخرف: 51]
لقد مضت الأيام وأجراها الله من فوقه .
فاصبروا ياعباد الله وأيقنوا بالعذاب الذي سيحيط بالكافرين والظالمين ولو بعد حين .

ومن الدروس والعبر المستفاده والمستقاه من قصه موسى وفرعون :
(( استشعار معية الله ورعايته في وقت الفتن والشدائد ))
وهذا ظاهر من موقف موسى عليه السلام الذي قال للناس :
" كلا إن معي ربي سيهدين ". [الشعراء: 62]
فلنكن على يقين بأن الله مع المؤمنين ولكن متى ؟
حينما يكونون معه بصحة الإيمان والعمل الصالح

هذه بعضٌ من الدروس والعبر المستفاده من قصة موسى عليه السلام مع فرعون وأكثر سور القرآن، تحلق بنا دائماً مع موسى عليه السلام.
 فقصته طويلة، وأحداثها متعددة، فيها العبرة، وفيها العظة، وفيها السلوى، وفيها الثبات على المبدأ.

 عباد الله أمركم ربُّكم جلَّ وعلا بأمر بدأ فيه نفسه وثنى به ملائكته المسبحه بحمده وثلث به عباده من جنه وإنسه فقال تعالى قولاً كريمًا:
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبيِّنا وحبيبنا وقدوتنا محمَّد بن عبدالله، وارضَ اللَّهم عن خلفائه الرَّاشدين ذوي المقام العليّ، أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وعن سائر الصَّحابة والتَّابعين...
---------------------------------------
للتواصل والاستفسار وإبداء الملاحظات :
جوال ( 00967777151620 )
ولمتابعه الخطب المكتوبه على الروابط التاليه :
١/
https://www.facebook.com/SheikhAhmedPage/
-----------------------
٢/
https://alahmed-ibb.blogspot.com/?m=1
-----------------------
٣/
 https://lecahmed.blogspot.com/
-----------------------
٤/
 http://talabah1.blogspot.com/?m=1
-----------------------------------
اللهم اجعلها صدقهً جاريهً لي ولوالدتي المرحومه..
وأنفع بها عبادك المسلمين اجمعين ...
واجعلني خيراً مما يظنون واغفر لي مالايعلمون..
------------------------------------
              والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِين

السبت، 22 سبتمبر 2018

🎤
خطبــة جمعـــة بعنـــوان
{ قصة موسى وفرعون }.   [ 1 ]

إعداد وتعديل واضافه وإلقاء :
الاستاذ/ احمد عبدالله صالح
خطيب مسجد بلال بن رباح/
الجمهوريه اليمنيه - محافظة إب .
ألقيت في  21 سبتمبر 2018 م
الموافق  11 محرم 1440هـ

أما بعــــــــــــــــــــــــــــــد :ــ
ايها الأحباب الكرام :
عاشت امتنا الاسلاميهُ قاطبةً من أقصاها الى أقصاها بالامس الخميس العاشر من شهر محرم يوماً كريماً ...يوماً فاضلاً ... يوماً مفصلياً في تاريخ امتنا انه يوم عاشوراء افضل ايام ِ شهر الله المحرم ..
وقعت في هذا اليوم حوادث فاصلة في تاريخ المؤمنين والمسلمين على مر التاريخ.
- ففي هذا اليوم تابَ الله على سيدنا آدم ..
- وقيل: هو اليوم الذي أُهْبِطَ فيه سيدنا آدم إلى الأرض..
- وفي يوم العاشر من المحرم نجى الله سفينةَ سيدنا نوحٍ من الطوفان، وأرساها على الجودي ..
- وفي يوم عاشوراء وقعت غزوة ذات الرقاع في السنة الرابعة للهجرة..
- وفي يوم الجمعه العاشر من شهر محرم سنة 61 من الهجرة ..
استشهد سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفيده وابن ابنته السيده فاطمة الزهراء البتول رضي الله عنهم الإمام أبي عبد الله الحُسين بن علي بن أبي طالب على أيدي فئة ظالمة.

وفي مثل هذا الأيام من شهرِ محرم طورد
 داعيةٌ أول ..
أخٌ له عليه الصلاة والسلام نهجه نهجه  ..
ومسيرته مسيرته ، ودعوته دعوته ..
وطريقه طريقه انه موسى عليه السلام
" وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا" الفرقان (31)
لا يُبعثُ نبيٌ إلاّ وقد هيأ الله طاغيةً هناك يتربص به ..
ولايحملُ رائدٌ من روّادالدعوه مبدأً إلاّ ويتهيأُ له ظالمٌ يرصده ..!
انها سنةُ الله.. "ولن تجد لسنة الله تبديلاً "..
" ولن تجد لسنة الله تحويلا "...
ولاجل ذلكم نحن اليوم مع موسى بن عمران..!()
وموسى بن عمران عليه الصلاة والسلام
شخصيةٌ لامعةٌ في عالمِ الدعوة ..
شخصيةٌ فريده .. شخصيةٌ نادره ..
شخصيةٌ فذه ، وبطلٌ من ابطال القَصَصِ القرآني الذي أنزله الله على قلب النبي صلى الله عليه وسلم تسليةً له ولأصحابه وأخذاً للعبر والعظات
 ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى ﴾ [يوسف: 111].
نعم احبابي الكرام :
إن اللهَ تعالى قصَّ عليكم في كتابِه العظيمِ قصصاً كثيرةً، فيها العبرٌ والعِظاتٌ،
وفيها الآيات والدلالات..
وكان من أعظمِِ ما قصَّه اللهُ علينا نبأُ موسى وفرعونَ، فهي أعظمُ قصصِِِ الأنبياءِِ،
التي تُذكَرُ في القرآنِِِِ، ثناها اللهُ أكثر من غيرِها، وذكرَها في سورٍ عديدةٍ لينتفعَ منها أولو الألبابِ.

ومجملَ ما ذكره الله في كتابِه من نبأِ موسى وفرعون أن فرعونَ ملِكَ مصر علا في الأرضِ، وجعل أهلَها شيعاً، يستضعفُ طائفةً منهم،
هم بنو إسرائيل (يعقوبُ بنُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ عليهم السلام ) علا عليهم وتسلَّط ، يُذبِّحُ أبناءَهم، ويستحيي نساءَهم، فكان من أعظمِ المفسدين في الأرضِ، واللهُ لا يصلحُ عملَ المفسدين،
 فأخرجَ الله من هؤلاء المستضعفين، من يُبيِّنُ لفرعونَ سوءَ عملِه، وضلالَ سعيه، فبعث الله موسى عليه السلام، فأوحى إليه وكلَّمه، وناداه:
أنْ يا موسى، إنّي أنا الله ربُّ العالمين ..

وهنا يتحدثُ اللهُ مع نبيه موسى حديثاً شيقاً،
حديثاً راقياً ، حديثاً جميلاً .. حديثاً رائعاً..
حديث الأنسِ واللطف ..                    
حديث الآمانِ والاطمئنان ...
حديث الهدوء والسكينه ..
ليُزيلَ الدهشةَ عنه، وليطردَ الرعب من نفسه..

لأنه موقف صعب، لا يتحمله أيُّ إنسان،
تصور أنك تكلم الله تعالى باسط الارض ورافع السماء .!!
تصور انك تستمع إلى خطاب ملك الملوك ..!
موسى كاد يطير قلبه من بين جوانحه ..!
 فألقى الله عليه خطاب المؤانسة والملاطفة،
حتى لا يستوحش، وحتى لا تسيطر عليه الأوهام،
 فقال الله لموسى عليه السلام :
﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴾ [طه: 17]
ليلاطفه، وليؤانسه ، وليهدأ من روعه ، ويخفف من قلقه ففهم موسى ذلك، فلم يقل: هي عصاً وسكت،
وإنما لما لذّ له الخطاب وشعر بالطمأنينه وأحس بالأُنس زاد في الجواب؛ وزاد في الاسترسال
ليستمر الحوار بينه وبين ربُّ العزة :
﴿ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ﴾ [طه: 18].

قال ابن عباس رضي الله عنهما :
رحم الله موسى، إنما كان يكفيه أن يقول عصاً ولكنه ارتاح لخطاب ربه فزاد في الكلام.

والله يسأله عن العصا، لأنها سوف تكون تاريخاً، وسوف تكون درساً للأجيال، وسوف تكون قروناً من العبر.
 ﴿ قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴾ [طه: 19 - 20]
           يا سبحان الله!
إنّ موسى عليه السلام لا يعرف الخوارق،
ولايعرف هذه المفاجآت، ولم يمرّ بمثلُ هذه المعجزات ..
إنه يعرف أن السماء هي السماء، لا تتغير ولا تتبدل ..
ويعرف أن الأرض هي هذه الأرض التي يسير عليها ..
ويعرف أنّ الجبال هي الجبال راسخه شامخه ..
ويعرف انّ البحر هو البحر وأن العصا هيا العصا، وأن الحية هي الحية.
اللَّيْلُ  لَيْلٌ وَالنَّهَارُ نَهَارُ
                    وَالأَرْضُ فِيهَا المَاءُ وَالأَشْجَارُ
 فلماذا تنقلب العصا إلى حية تسعى؟!
ففرّ حينها موسى خائفاً مرتعباً ..
وتصور موسى وهو يفر خائفاً من رب العالمين .!
وتصور موسى الذي يفرّ خوفاً من عصاه، ومع ذلك يرسله الله عزَّوجلَّ إلى ذاك الطاغية المجرم، الدكتاتوري السفاك، الذي كان يلقي المحاضرات، على العملاء الأغبياء البلداء، ويقول لهم:
 ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ [القصص: 38]، فيصفقون له..
ويقول لهم: ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ﴾ [الزخرف: 51]..
فيهزون رؤوسهم طرباً، ويسجدون له تذللاً.
ويقول لهم ( أَنّاْ رَبُكمُ الأَعْلَى )
فيهللون ويصفقون ويطيرون فرحاً وغبطه ..
قال بعض المفسرين :
 كان على قصر فرعون، ستة وثلاثون ألفاً من الجنود والحرس، كل واحد منهم يرى أن فرعون إلهه، وخالقه، ورازقه ومحييه، ومميته والعياذ بالله.
                                     
وبعد ان انتهى معه من الايه والمعجزه الاولى التى سيذهب بها الى فرعون وهي ( العصا )
انتقل به الى آية أخرى من آيات الله عزَّوجلَّ  فقال الله لموسى:
 ﴿ وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ﴾ [طه: 22].
أدخل يدك يا موسى في إبطك، ثم أخرجها، تخرج بيضاء من غير برص ولا بهق ﴿ آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى ﴾ [طه: 22 - 23].

ثم بدأت الرحلة الشاقة المضنية ..!
بدأت المهمه الصعبه المتعبه ..!
فبعد ان ألقى عليه خطاب المؤانسة والملاطفـــــة
وبعد ان أعطاه آيتين باهرتين جاء عندها الامر :
بدأت الرسالة وبدأ التكليف بالدعوه فقال الله له
(( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ ........"))
فيندهش موسى عليه السلام عندما يسمع اسم فرعون ...
فهذا الاسمُ ليس غريباً عليه فلقد رضع في قعر داره وشبّ ونشأ في مُلكِه وتربى في قصره ونام على سريره ولبسَ ملابسه وركِبَ مراكبه حتى أصبحَ كأنّه احدُ أبناءهِ .. ومع ذلك يأتيه الامر الرباني :-
﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴾ [طه: 24]
وتَصَوَّرْ موسى عليه السلام وهو يستمع إلى هذا الأمر الإلهي..!
 فلقد فرّ موسى بالامس القريب من فرعون؛
 لأنه تمرد عليه، وقتل شخصاً من رعيته، وقد حكم عليه فرعون بالإعدام غيابيّاً، ثم يأتي الأمر الإلهي: ﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴾ [طه:

ولم يقل له اذهب إلى حاشية فرعون، أو توجه الى جنود فرعون، أو أرسل إليه رسالة، وإنما أمره بالتوجه مباشرة إلى هذا المجرم الطاغية، ﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ ﴾ [طه: 24]
             لماذا يارب ..؟؟؟!
 ﴿ إِنَّهُ طَغَى ﴾ [طه: 24].
 لقد تجاوز الحد في الطغيان..
تجاوز الحد في الظلم ...
تجاوز الحد في العنجهيه والاستكبار ..
سفك دماء الأبرياء، قتل الأطفال، نشر الفساد، أرهب العباد،ارعب الخلق . ارغى . أزبد .ارعد
دمر البلاد، داس على القيم . داس على المُثل
داس الأجيال تحت قدميه ، اهان المباديء
سخرّ كل شيء من اجل طغيانه وجبروته وبطشه

فلما علم موسى كليم الله ان الامر قد بلغ حداً لايطاق السكوت عليه وانّ كسر الطاغيه وكبح كبريائه امرٌ لا بد منه توجه لربه بطلباتٍ تُعينه في طريق الدعوة .. فماذا طلب موسى من ربه؟

طلب منه طلبين حتى يذهب الى فرعون ..!
الطلب الاول :
﴿ قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾ [طه: 25
فموسى عليه السلام ما كان يبين في حديثه،
بل كان يأكل بعض الحروف إذا تكلم،
وهنا ليس في استطاعته أن يبلغ الدعوة،
وسوف يضحك عليه هذا المجرم العتل،
وقد فعل ذلك بالفعل، حيث عقد مقارنة بينه وبين موسى عليه السلام وفضّل نفسه على نبي من أنبياء الله، ورسول من أولي العزم، قال في سورة الزخرف:
﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ ﴾ [الزخرف: 51 - 52].
 يقول فرعون :
إنني أغنى منه مالاً، وأعظم منه سلطاناً، وأصح منه لساناً، فأنا ألقي المحاضرات، وأعقد الندوات، وموسى لا يستطيع ذلك، مع أن هذا بعد أن طلب موسى من ربه أن يحلل عقدة من لسانه، فكيف لو ذهب موسى قبل ذلك؟!
ثمّ إن موسى عليه السلام ما طلب أن يكون أفصح الخلق، ولا أخطب الناس، وإنما طلب أن يكون كلامه مفهوماً، لتقوم بذلك الحجة على فرعون..
 وقد قامت ..
إلا أن هذا هو شأن المفسدين، يتصيدون الأخطاء للدعاة الصادقين، ولا يتورعون عن رميهم بالتهم والافتراءات التي هم منها برآء...

اما الطلب الثاني الذي طلبه موسى من ربه :
فهو ان يجعل له نصيراً، ومعاوناً على تلك المواقف الصعبة فقال :
﴿ وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي ﴾ [طه: 29 - 30].
سماه وعيّنه لربه ليختاره له، وعلل لذلك بقوله:
 ﴿ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴾ [طه:٣١
فإن الواجبات كثيرة، وإن التبعات جسيمة، فأريد أخي ليكون على ميمنتي فيقويني ويثبتني عند ذاك الطاغية الجبار :
﴿ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً ﴾ [طه: 33 ]
فالاثنان يسبحان ويذكران أكثر من الواحد..!
والأخ الصالح يذكِّر أخاه إذا نسى، ويقويه إذا فتر  ﴿ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً ﴾ [طه: 35]
 فأنت الذي أرسلتنا، وتعلم ضعفنا، فأعنا على تلك المهمة الصعبة، وكن معنا بالتأييد والنصرة.

ثم كان الجواب من الله الواحد الأحد:
﴿ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ﴾ [طه: 36]
ولم يقل سؤالاتك، أو طلباتك، لأن المطالب مهما كثرت، ومهما عظمت ,فهي هينة في منظور الله فهي لاشيء في ميزان الله عزَّ وجلَّ  :
﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية :
أما بعــــــــــــــــــــــــــــــد :ــ            
ايها الأحباب الكرام :                                            
يتواصل حوار موسى كليم الله مع ربه جل وعلا  
وبعد ان يعطي الله سبحانه موسى ما طلب
أخذ سبحانه وتعالى يذكر موسى بتاريخه وماضيه، وإنعامه عليه في كل وقت،
 أعاد عليه ذكريات الطفولة والصبا، :
فقال :
 ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ [طه
وكأنّ الله يقول لموسى عليه السلام :
لا تخف من فرعون، ولا تتهيب منه، فقد عصمناك منه وأنت طفل رضيع، وقد ربيناك في قصره وفي بلاطه، كنت تضربه على وجهه وأنت طفل صغير، أتخاف منه الآن وأنت في الأربعين، لا تخف منه فإنه أحقر وأهون من أن تخاف منه.

ثم يستمر القرآن في تعديد نعم الله عزَّوجلَّ على موسى:                                
﴿ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ ﴾ [طه:  ثم يذكره الله بفعلته التي فعلها :
﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً ﴾ [طه: 40]
 ولا تظن أننا نسينا النفس التي قتلتها، فإن ذلك مكتوب في كتاب، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولكننا غفرناها لك وفرجنا همك :
﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى * وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ [طه: 40 - 41].
وكأنّ الله تبارك وتعالى  يقول له:
هذا تأريخك يا موسى، وتلك هي الأحداث التي مررت بها، كانت عنايتنا معك في كل حدث منها، وكان حفظنا يلاحقك في كل مكان حللت فيه ..

 ﴿ اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾
أي لا تفترا عن ذكري ..!
لاتفترا من التسبيح، والتهليل، والتكبير، والتحميد؛
فزاد القلوب هو التسبيح والتكبير
وزاد الارواح هو التحميد والتهليل
وكأن الله يقول لموسى وأخيه :
ياموسى اكثرا من الذكر ولا تتوقف ألسنتكم عن التسبيح بحمدي  ..
فإنكما ستمران بمواقف صعبه وتكاليف ضخمه وأمور جمه ومهام ...
ولن تستطيعا خوض غمارها إلاّ بأن تكونا على قربٍ مني وتلهجون بذكري ..

وفي هذا درس لمن يمرون بأحوال صعبه وأمور شاقه ويقعون في ضيقٍ او شدةٍ او كربٍ
ان مخرجهم من ذلك (  وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي )
ان يذكروا الله في كل أحوالهم ...
ان يسبحوا بحمد الله في ليلهم ونهارهم
وفي صباحهم ومساءهم ..
ان يوحدوا الملك العلام  في دخولهم وخروجهم ..
ان تلهج ألسنتهم بذكر ربهم في ذهابهم وإيابهم وفي سفرهم وحظرهم ..
وان تتعلق قلوبهم بربهم في عسرهم ويسرهم
وفي منشطهم ومكرههم ..
وان تصدح ألسنتهم بشكره وذكره جل وعلا عند طعامهم وشرابهم وفي نومهم واستيقاظهم ..

فالذكر طريق التوفيق والتسبيح سبيل النجاة
وهو القائل عن نبيه يونس عليه السلام :
" فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ . لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ " الصافات ١٤٣

فَزَادُ الرُّوحِ أَرْوَاحُ الْمَعَانِي            
                         وَلَيْسَ بِأَنْ طَعِمْتَ وَلا شَرِبْتَ
فَأَكْثِرْ ذِكْرَهُ فِي الأَرْضِ دَأْباً
                         لِتُذْكَرَ فِي السَّمَاءِ إِذَا ذَكَرْتَ
وَنَادِ إِذَا سَجَدْتَ لَهُ اعْتِرَافاً
                          بِمَا نَادَاهُ ذو النُّونِ بنُ مَتَّى

ويعود الخطاب كما كان أول السورة.
﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴾ [طه: 43]
في أول السورة قال الله لموسى:
 ﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴾ [طه: 24]،
 وهنا يقول لموسى:
﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴾ [طه: 43]
اذهبا إليه، واعلما بأنه طاغية جبار، ولكن كيف يخاطب موسى وهارون هذا الجبار؟
وما هي الوسيلة التي يستخدمها موسى في عرض الدعوة عليه ؟
وهنا يبين الله أن الوسيلة الناجحة في مخاطبة هؤلاء الجبابرة،وهؤلاء الطعاة العتاه هي اللين، وعدم العنف وعدم الغلظه..
 وذلك بأن تعرض عليه الدعوة بأسلوب هين لين وبأسلوب حسن وسهل  فلعل الله أن يهديه،
 ولعل الله أن يشرح صدره..
فقال تعالى: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: 43 - ]
ما أحسن هذا الكلام، وما أعجب هذا الخطاب، يقول عن سبحانه عن فرعون :
إنه طاغية، وجبار، وسفاك للدماء، وملحد، وعنيد، ورعديد ومتصلف ومع ذلك يأمر أنبياءه باللين معه، وعدم تعنيفه وتوبيخه، لعله يستحسن الخطاب، فيستجيب إلى الحق.

فأين نحن من هذا وايّن الدعاه الى الله والمصلحون والمرشدون والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر من هذه التوجيهات ..
فمع طغيان فرعون وأجرامه وعتوه وظلمه يأمر الله موسى ان يأتيه باللين والسهوله البساطه .
ونحن اتخذنا الشده والغلظه والقسوه في دعوتنا مع إخواننا وأبناء جلدتنا من اهل الاسلام والعقيده وربما فضحناهم امام الجميع وشهرنا بهم امام الخلق ثم نرجوا ان يستجيبوا لنا ويرضخوا لدعوتنا والله يقول :
( ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ  ) النحل
((والموعظه الحسنه ...))
هي النصيحه التى تقدم بطبق من الحب والشفقه والتى تُشعرُ المدعو فيها انه امام دعوة تفيض بالحب وتمتليء بالحنان فينصاع لها وينقاد طوعاً لأسلوبها وسلاسه كلماتها وعذوبه ألفاظها ..

اما الغلظه في الدعوه ، والقسوه في التوجيه والشده في النصيحه فلم تؤتى بأي ثمار ابداً
ولم تحقق ايُّ استجابه انما ولّدت نفوراً وعتواً وهروباً وفرضت واقعاً سلبياً وتصوراً سيئاً لدى غالبيه المدعويين ، ورسولنا وقدوتنا عليه الصلاة والسلام يقول :
" يسّروا ولاتعسروا وبشّروا ولاتنفروا "
ولذلكم يقول الله لنبيه موسى وهارون :
﴿ فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه:
اي لعله يتذكر نعم الله عليه ..
لعله يتذكر تمكين الله له في الارض ..
لعله يتذكر فضله عليه وإنعامه ..
فبعض الناس لا يأتي إلا من باب الرغبة، وبعضهم لا يستجيب إلا بالترهيب ..

والداعية لا بد أن يكون بصيراً بالقلوب..
 عالماً بطبائع النفوس، حتى يدخل على كل إنسان من الباب الذي ترجى إجابته منه.
 فقال موسى وهارون:
﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى ﴾
قال المفسرون :
خاف موسى عليه السلام  ثلاث مرات :
- مرة لما رأى العصا وقد انقلبت حية، فقال الله له: ﴿ خُذْهَا وَلا تَخَفْ ﴾ [طه: 21]

- وحين دخل البلاط الفرعوني :      
﴿ قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾[طه٤٦

- ومرة ثالثة يوم أن نازل فرعون في الميدان أمام الجماهير :
﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعْلَى ﴾ [طه: 67 - 68]..

ولذلكم يقول موسى وهارون :
﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى ﴾
والله يدري أنه يطغى، والله يعلم أنه جبار فقال لهما : ﴿ قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾

وإذا كان الله معك فلماذا تخاف؟
 وإذا كان الله ناصرك فممن تخشى؟
اذا كان الله معك فلما القلق ولما التوجس
ولما الرعب ولما التردد ..

فانطلِقا بهذا المبدأ لا تخافا أحداً، ما دام الله معكما، وناصركما، ومؤيدكما.

احبتي الكرام :
كأنّي ارى عقارب الساعه تطاردنا والحديث شيق لكني سأتوقف هنا لنستأنف الحديث في الجمعه القادمه ولننتقل مباشرةً إلى قصر فرعون،
ونستمع إلى ذاك الحوار الساخن الذي دار بين موسى وفرعون ..
وحتى ذلكم الحين صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال:﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم واعرض صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن الصحابة الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

اللهم انصر الاسلام وأعز المسلمين واجعل كلمتك هي العليا الى يوم الدين ..
اللهم انصر الحق واهله واهزم الباطل وحزبه وجنده ...
اللهم اتي نفوسنا تقواها وزكها انت خير من زكاها انت وليها ومولاها..
اللهم امنا في اوطاننا واجعل هذا البلد امناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين ..
اللهم لاتتوفنا الا وانت راضٍ عنا مقبلين غير مدبرين محسنين لا مسيئين..
اهدنا بالهدى وزينا بالتقوى واغفر لنا بالاخره والأولى ..
اهدنا بهداك ولاتولى علينا مولىً سواك ..
اجعلنا هداةً مهديين غير ضالين ولامظلين سلماً لاوليائك حرباً على اعداءك نحب بحبك من احبك ونعادي بعداوتك من عاداك ...
اللهم ارحم موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرساله ..
اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعفُ عنهم واكرم نزلهم ووسع مدخلهم واغسلهم بالماء والثلج والبرد ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس ....
آآمين اللهم آآمين ..

ان الله يأمر بالعدلِ والإحسان وآيتاء ذي القربي وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ... وأقم الصلاه ...
---------------------------------------
للتواصل والاستفسار وإبداء الملاحظات :
جوال ( 00967777151620 )
ولمتابعه الخطب المكتوبه على الروابط التاليه :
١/
https://www.facebook.com/SheikhAhmedPage/
-----------------------
٢/
https://alahmed-ibb.blogspot.com/?m=1
-----------------------
٣/
 https://lecahmed.blogspot.com/
-----------------------
٤/
 http://talabah1.blogspot.com/?m=1
-----------------------------------
اللهم اجعلها صدقهً جاريهً لي ولوالدتي المرحومه..
وأنفع بها عبادك المسلمين اجمعين ...
واجعلني خيراً مما يظنون واغفر لي مالايعلمون..
------------------------------------
              والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِين

الجمعة، 14 سبتمبر 2018

🎤
خطبــة جمعـــة بعنـــوان
وقفه محاسبه مع مرور عام هجري

إعداد وترتيب وتحضير وإلقاء :
الاستاذ/ احمد عبدالله صالح
خطيب مسجد بلال بن رباح/
الجمهوريه اليمنيه - محافظة إب .
ألقيت في  14 سبتمبر 2018 م
الموافق  4 محرم 1440هـ

أما بعــــــــــــــــــــــــــــــد :ــ
ايها الأحباب الكرام :
الإنسان دائماً مودع ومستقبل ..!    
مودع يوماً ومستقبل يوماً ..!
مودع أسبوعاً ومستقبل أسبوعاً ..!
مودع شهراً ومستقبل شهراً ..!
مودع عاماً ومستقبل عاماً آخر ..!
وبالأمس استقبلنا عاماً هجرياً جديداً وودعنا عاماً آخر ..
وهكذا مسيرة الحياة للإنسان في توديع واستقبال..!
وهي بالأخير كلها محسوبةٌ من عمر الإنسان ..!
نعم احبابي الكرام :
كل عام ينقضي بل كل يوم ينقضي بل كل ساعة تنقضي بل كل لحظة تنقضي هي صفحة من كتاب الإنسان تطوى ، وورقة من شجرةٍ تذبل ، حتى ينتهي الأجل :
" وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ  "  ٣٤ الأعراف
ولذلكم
مع إطلالةِ عام هجريٍ جديد وذهابِ عام يبرز للمتأمل أحداثٌ عظام وقضايا جسام يجدر بالعاقل الفطن ان يقف عندها وقفات .!
يسترجع فيها الذكريات ..!
يُجدد العهد ، ويُبرمُ العقد .!
ينظر في ماضيه وما احدث فيه ، ويتأمل في مستقبله وماعزَمَ على ان يفعله فيه إن أمدّ الله في أجله وزاده في عمره وأدام له نعمَه وفضلَه .

ولذلكم
 ثمةَ وقفات وقضايا مهمه تبرز ونحن نودع عاماً ونستقبل عاماً ..
 وما أشدّ حاجتنا ونحن نستشرف آفاق العام الهجري الجديد الى بعضٍ من هذه الوقفات والتأملات .!
ما أشدّ حاجتنا الى مراجعات ومحاسبات جاده لإستثمار كل مايعزز مسيرة أمتنا لتزدلف الى عام جديد وهي أكثرُ عزماً واشدّ مضاءً لفتح آفاق جديده لإسعاد الإنسانيه ، ولتتبوأ مكانتها الطليعيه ومنزلتها الرياديه فوق هذا الكوكب الأرضي الذي ينشدُ سكانه مباديء الحق والعدل والسلام ويرومون الخير والأمن والوئام ..
ولن يجدوه إلاّ في ظل الاسلام وتعاليم الاسلام
زادُنا في ذلك موروث حضاري ، وتأريخي ،وعقدي وقيمي لاينضب ، ونَهلٌ من معطيات العصر وتقنياته في خدمة الأمة ومُثلها وقيِمها ...

ولعل اهم وابرز هذه الوقفات والقضايا ونحن نلجُ باب عامٍ هجريٍ جديد :
وقفه تأمل للمحاسبه والمراجعه والمسائلة والعتاب على بدايه عام ونهايه عام ..!
وقفة مراجعه حقيقيه  لكل واحد مع نفسه
وماذا يُراجع ؟؟؟
- ماذا كانت حالته مع خالقه .
- أَكَان لله خاشعاً متذللاً مُحباً دائماً ومُتقرّبا .
- أَكَان مع الله فى صباحه ومسائه وحال شربه وطعامه ونومه ويقظته .
- أَكَان مع الله فى خوف ومراقبة لرزقه , وهل شابهه حرام أم كان حلالاً طيبا .
- أَكَان لله طائعاً وله عابداً ولدينه عاملاً .
- أَكَان متيناً فى الخلق , مثقفاً فى الفكر , سليماً فى العبادة , صحيحاً فى العقيدة .
- أَكَان نافعاً لغيره , منظماً فى شئونه , مفتاحاً للخير , مغلاقاً للشر .
- أَكَانَ مع الله محافظاً على الصلوات إقامةً وخشوعاً مجاهداً نفسه أن يجعلها فى الجماعة.
- أَكَان مع دعوة الإسلام محباً ولأهلها مجالساً ولرفعتها بسلوكه عاملا.
- أَكَان للدنيا مٌطلّقا وللحور العين متشوّقاً ولمهرها مُقدّماً ومُسدّدا .
- أَكَان للحظة خروج الروح دائماً مستعداً وللقاء ملك الموت متهيئاً.
- هل لامس قلبه فى عامه المنصرم كثيراً من التأثر بحال المسلمين..
- أَدَمِعَتْ عيناه ولو مرة فى عامه المنصرم من خشية الله.
- أَسَمِعَ فى عامه المنصرم ولو مرة واحدة آيةً وقعت فى قلبه فهزّته هزاً ومَزّقته تمزيقاً وطَرحَتْهُ مغشياً على أرضه.
- أَصَامِ فى عامه المنصرم رمضان صياماً لله طيباً ولروحه كان فيه مُزكّياً وعلى القيام والتراويح كان محافظاً.
- أَتَصَدَّقَ فى عامه المنصرم بإستمرار ولو كان بالقليل ليستظل بها فى قيامته .
- أَزَكّى زكاة ماله وأقام بها ركن دينه .
- أَوَدَّعَ فيه مَيّتاً وعزّى فيه أهلونه وواساهم ووقف بجانبهم.
- أَتَحلّى فيه بذوقيات التعامل مع خَلْق الله وأدبيات التحاور ورقّة المشاعر وجمال الأحاسيس.
- أَزَارَ المرضى وأسرع اليهم وسأل الله الشفاء لهم وأشعرهم بحبه وتأثره بما لحق بهم ونزل عليهم وأهداهم الهدية.
- أَأَحْسَنَ إلى اليتامى وسأل عنهم ولو بالهاتف وبرَّ بهم ومسح على رؤوسهم .
- أَكَان فيه بزوجته رحيماً ولها مُحبّاً ومن النار واقياً ولصدرها بالحنان ودفء المشاعر عامراً ومُهيمناً.
- أَكَان لأولاده مُربياً وناصحاً ومشاوراً وعادلاً ومتلاطفاً أم كان متسلطاً وقاسياً ومنهم وعنهم مبتعداً.
- أَكَان لجيرانه مُسْعَِداً ولهموهم مُزيحاً ولكروبهم كاشفاً ولراحتهم والحرص عليهم ساعياً ومحافظاً.
- أَكَان مع وظيفته نموذجاً , بخلقه يقتدى الغير , وبقيمه وأدبه يؤثّر , وبتفوقه الوظيفى يفوق ويظفر.
- أَكَان على الإخلاص حريصاً ولتحصيله وتحقيقه مجتهداً وللنيّة دائماً عاقداً ولها مُجدّداً .
- أَكَان لغايته النبيله رضا الله يعمل وله يسعى ويسجد .
- أَكَان للقرآن تالياً وعلى قرائته حريصاً ومحافظاً ولختمته غير ناسياً .
- أَكَان للدعاء دوماً متضرعاً وبه متذللاً بين يدى خالقه ومنطرحاً وسائلاً وراجياً .
- أَكَان للوطن مُحباً وعليه غيوراً ومحافظاً ولإستقراره وأمنه ساعياً وللفتن وائداً ومُتصدياً .
- أَكَان لبناء وطنه ولمصلحة بلاده مُنتجاً وعاملاً له وإيجابياً ومتفاعلاً .
- أكان على السنن الرواتب محافظاً يراجع نهاية يومه الإثنى عشرة ركعة هل أداها كاملة أم راح منها شيئا.
- أَكَان لأمراضه معالجاً وبأسباب الصحة والعافية حريصاً ومحافظا.
- أكان للعمرة مؤديا وللحج راجياً ربه وسائلا .

هذه الاسئله وغيرها لابد ان تكون عنواناً وورداً مستمراً لكل واحد منا ، ليس مع مرور كل عام بل مع مرور كل شهر ومع مرور كل ﺍﺳﺒﻮﻉ بل مع مرور كل يوم ..

ولذلكم أحبتي الكرام
روّاد مسجد بلال بن رباح :
انّه لحدث جديرٌ بالوقوف عنده وإن كان في نظر بعض الناس امراً هيناً وعادياً ..!
ذلك ان هذا العام قد مضى من ايام أعمارنا وذهب من سنين آجالنا وأصبحنا إلى الموت أقرب منه الى الحياه ..!
ونحن تُفرحنا الآيام إذا ذهبت ، لاننا نتطلع الى الدنيا وزخارفها وقد مدّدنا الآجال وسوّفنا في الاعمال وبالغنا في الإهمال حتى صرنا كما قال القائل :
إنّا لنفرح بالأيام نقطعها ....
نفرح بمرور الايام وسرعه انقضاءها لكي نصل للمرغوب ، ونصل الى بغيتنا ، ونحقق آمالنا ونسينا انها تقربنا من آجالنا ورحيلنا ..
إنّا لنفرح بالأيام نقطعها
                   وكلّ يوم مضى يُدني من الأجلِ
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً
                  فإنما الربح والخسران في العملِ

ولهذا حذاري ثم حذاري ايها المسلم
حذاري ايتها المسلمة..!
حذاري من الايام وتسارعها فإنّها غرّاره ..
 ومن الدنيا وزخارفها فإنّها غدّاره..

كم من مؤمل بلوغَ آمالٍ اصبح رهنَ القبور مدفوناً
وكم من مفرط في الاعمال اصبح بعدها مغبوناً .!

فأغتنم فرصةَ حياتك ، ونعمة شبابك , وفراغك وصحتك ، وغناك قبل ان تفقدها او تفقد بعضها
فتصبح من النادمين وغداً من الخاسرين :
" قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ  ". الزمر

كذلك وقفه محاسبه بالعوده القليله الى الوراء
الى سنين قليله ، بل وأشهر قريبه ، وايام يسيره أستحضر فيها معكم غيرنا من الأحباب والأقران والاصدقاء والزملاء والرفقاء والجيران ممن غيّبهم الموت وطواهم التراب ..!

سنون وشهور وايام مرت ومضت وانقضت
 كم فقدنا خلالها من عزيز وحبيب ..!
كم فقدنا خلالها من أنيسٍ وقريب .!
كم فقدنا خلالها من صديق قريبٍ او بعيد .!
ربما كانوا في عمرنا وعاشوا معنا كما عاش غيرهم وحَلِموا وخططوا كما خطط غيرهم ،
خططوا فيها لمستقبلهم وحياتهم ودنياهم ..!

رسموا الآمال العريضه ووضعوا الخطط البعيدة والبرامج العديده بأنهم سيدرسوا ويتعلموا ويتخرجوا ويتزوجوا وآمال تلو الآمال ووووو

فإذا يدُ المنون تخترق هذه الأماني وتخترق تلك الآمال ليصبح احدهم خبراً بعد عين واثراً بعد ذات ..
لقدسبقهم قدر الله السابق ، وأمره النافذ فيهم وفي غيرهم وهي النهاية الحتميه لكل أحد .

وبقينا نحن .. انا وانت وهو هي ..
بقينا بعدهم زمناً لاندري متى ينقضي اخره
ولا ندري متى سيأتي دورنا لنكون في قافله المرتحلين من هذه الدنيا ونكون عبرةً للمعتبرين وعظة للمتعظين وآياتٍ للسائلين ...

فهلا استحضرنا جميعاً نعمة البقاء بعدهم ،
 ومنّة التمكين من العمل بعد انقطاع آجالهم .!

جاء في احدى الروايات ان ملك الموت بعد ان يقبض روح العبد ..يقف على عتبة الباب
واهله بجواره يبكون ويولولون ومنهم الصارخ والباكي والضارب على وجهه والشادّ على شعره فيقول وهم لايسمعون :
" لماذا هذا الفزع ؟ ولما هذا الجزع ..؟!
فو الله ما انتقصت لأحدكم عمراً ،
ولا أخذت لأحدكم رزقا .!
 فإن كان بكاؤكم على ميتكم فانه مقهور وان كان صراخكم عليّ فاني مأمور وإن لي بكم عودةٌ بعد عودة حتى لا ابقي منكم احداً "

فالموت آتٍ لا محاله ..!
سيأتي اليوم او غداً ،سيزور هذا العام او الذي يليه ..
الموتُ كأسٌ وكلُ الناس شاربه
                       والقبر دارٌ وكل الناس ساكنه
تجهّزي بجهَازٍ يانفسُ تبلغين به
             يانفسُ قبل الردى لم تُخلقي عبثاً
وجاوزي بغتة الآمال وانكمشي
                     قبل إلزام فلا ملجأ ولا غوثا
من كان حين تصيبُ الشمس جبهته
                او الغبار يخاف الشّين والشعثا
ويألفُ الظلّ كي تبقى بشاشته
                فسوف يسكن يوماً راغماً جدثا
في ظل موحشةٍ غبراء مقفرةٍ
             يُطيلُ تحت الثرى في جوفها اللبثا

اقول قولى هذا واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب
فاستغفروه ويا فوز المستغفرين ...


الخطبه الثانيه
أما بعــــــــــــــــــــــــــــــد :ــ
ايها الأحباب الكرام :
أُلقي على حضراتكم اليوم كلمات يسيره وقد غابت قبل ايام شمسُ آخر يوم من عامنا الهجري ١٤٣٩ وأعلم أنني لن آتي بجديد ولكنها خلجاتُ نفس أبثها في كلماتي لعلي أن أنتفع بها وينتفع بها غيري ممن سيسمعها او من يطلع عليها .

ونهاية عام وبدأ اخر معناه عند العقلاء انّ الله متّعك بما يزيد عن ثمانيه آلآف ساعه ..!
وكم في هذه الساعات من نبضاتِ قلبٍ ماكان له ان يخفق لو انّ الله أوقفها لحظة من الزمن ..!
وكم صعد فيها من نَفَسٍ ما كان له ان يعيش لو ان الله كتمه لحظة من الزمن ..!
وكم تحرك فيها من عضو في خدمتك ما كان له ان يتحرك لو ان الله اوقفه لحظة من الزمن ..!

ثمانيه آلاف دقيقه يعني امتلاء السجلات بما كسبت أيدينا وسطّره الكرام الكاتبون وغداً سيُكشف عن المخبوء وتُبلى السرائر ..
(( هَذَا كِتَابُنا يَنطِقُ عَليْكُمْ بالحقِّ إنّا كنّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلون ))

انّ مضي عام يا أحبتي الكرام
يعنى سقوط ورقه من اوراق الشجرة ذات الأوراق المحدوده ، وبها يتناقص الموجود ويزداد الذابل المفقود ولربما كانت الورقه ماقبل الاخيره :
( وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾.
ولذلكم
مع بداية العام حريٌ بنا أن نعقد العزم على اغتنام بقية العمر .
فكم سوّفنا ؟
كم أخرّنا من أعمال صالحة ولو عملناها فيما مضى لكان خيراً لنا ؟
كم أخَّرنا التوبة الشاملة ؟
كم أخَّرنا التوبة عن بعض الذنوب ؟
كم أخَّرنا مشاريع عظيمة لو فعلناها لكان لنا شأن عظيم ؟
كم وكم وكم ؟
فوقفة صادقة مطلوبه مع النفس .!
وقفة استذكار ومحاسبه لاستغلال بقيه ايامك وسنين عمرك في رضا الله ورضوانه ومحبته وغفرانه وفضله وكريم إحسانه وتعريض النفس لنفحاته التى تتخللنا بالزياره ما بين الفينة والتى تليها ..
فبعد ان ودعنا نفحة رمضان ونفحة صيام ست من شوال ونفحة عشر ذي الحجه ونفحة صيام يوم عرفه هاهي نفحة جديده تهل علينا مع مطلع عامنا الهجري الجديد انه شهرُ اللهِ المحرَّم، فاتحةُ شهورِ العام ..!
من أعظم شهور الله جلَّ وعلا ..!
عظيم المكانة، قديم الحُرْمَة، رأس العام ..!
ومن فضائل شهر الله المحرم :
أنَّ الأعمال الصَّالحة فيه لها فضلٌ عظيمٌ، لا سيَّما الصِّيام؛ فقد روى الإمام مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هُرَيْرَةَ رضيَ الله عنه قال:
قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
((أفضل الصِّيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم، وأفضل الصَّلاة بعد الفريضة صلاة اللَّيل)).

وأفضل أيامُ هذا الشَّهر يا عباد الله يوم عاشوراء،
يوم إنتصار نبيِّ الله وكليمه موسى عليه السَّلام وهلاك فرعون الطاغية ..!
وكم في هذه القصة من الدروس والعِبَر والعظات والفِكَر للدعاة إلى الله في كلِّ زمانٍ ومكان،
فمهما بلغ الكَيْد والأذى والظُّلْم والتسلُّط؛ فإن نصر الله قريبٌ ..!
ويا لها من عبرةٍ لكلِّ عدوٍ لله ولرسوله ممَّن مشى على درب فرعون، أنَّ الله منتقمٌ من الطُّغاة الظَّالمين، طال الزمن أو قَصُرَ ..!
ألا فلتقرَّ بذلك أعين ُ أهل الحقِّ ودُعاته؛ فالعاقبة للمتَّقين، وليتنبَّه لذلك قبل فوات الأوان أهلُ الباطل ودُعاته :
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشَى ﴾ [النازعات: 26]
 ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ [الفجر: 14].
ان في الحوادث لعبرا ، وإنّ في التأريخ لخبرا
وإنّ في الآياتِ لنُذرا، وإن في القَصَص والأخبار لُمدّكراً ومُزدَجرا :
 ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لْقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يوسف: 111].
ولاجل ذلكم
يوم عاشوراء سيوافق يوم الخميس القادم بإذن الله وثواب صيام هذا اليوم حدثناعنه رسولنا
صلى الله عليه وسلم كماجاء في "الصحيحَيْن" عن ابن عبَّاسٍ رضيَ الله عنهما قال:
 "قدم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة، فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء؛
 فقال لهم: ((ما هذا اليوم الذي تصومونه؟))
قالوا: هذا يومٌ عظيمٌ، أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا؛ فنحن نصومه. فقال: ((نحنُ أحقُّ بموسى منكم))؛ فصامه وأمر بصيامه..

بل اسمعوا الى الفضل الجزيل والخير العميم والثواب الفضيل لمن صام هذا اليوم ففي
"صحيح مسلم" عن أبي قَتادة رضيَ الله عنه
أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سُئل عن صيام يوم عاشوراء؛ فقال:
 ((أحتسبُ على الله أن يكفِّر السَّنة التي قبله)) ..
الله أكبر!
يا له من فضلٍ عظيم لا يفوِّته إلا محروم.
لذا يستحبُّ للمسلمين أن يصوموا هذا اليوم اقتداءً بأنبياء الله، وطلبًا لثواب الله، وأن يصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده؛ مخالفةً لليهود، وعملاً بما استقرَّت عليه سنَّة المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم  فيا له من عملٍ قليلٍ وأجرٍ كبيرٍ وكثيرٍ من المُنعِم المتفضِّل سبحانه وتعالى ..!

أسأل الله لي ولكم حياة سعيده واعواماً في طاعة الله مديده وسنوناً من القرب من الله عديده ..
اللهم اجعل هذا العام عام خير وبركه ونصر وعزة وتمكين للإسلام والمسلمين..
الله اجمع فيه كلمة المسلمين على الحق والهدى
ووحد صفوفهم ولمّ شتاتهم وأجمع شملهم وطهّر مقدساتهم وآمن روعاتهم ..
يارب كَسْرُنا لا يجبُره إلا لطفك وحنانك ..
 وفقرنا لا يُغنيه إلا عطفك وإحسانك ..
 وروعتنا لا يُسَكِّنها إلا أمانك ..
وذلتنا لا يعزها إلا سلطانك ..
وأمنيتنا لا يبلغنا إياها إلا فضلك ..
وحاجتنا لا يقضيها غيرك ..
وكربنا لا يُفرّجه إلا رحمتك ..
وضُرّنا لا يكشفه إلا رأفتك ..
ولوعتنا لا يُطفئها إلا لقاؤك ..
 وشوقنا إليك لا يطفئه إلا النظر إلى وجهك ..
وقرارنا لا يَقَرُّ دون دُنونا منك ..
 ولهفتنا لا يردها إلا رَوْحك ..
 وسقمنا لا يبَرّئه إلا صفحك ..
ورَيْن قلوبنا لا يجلوه إلا عفوك ..
ووسواسَ صدورنا لا يزيحه إلا أمرك ..
فا منتهى أمل الآملين ويا غاية سؤلْ السائلين
ويا أقصى طلبة الطالبين ويا أعلى رغبة الراغبين ويا وليّ الصالحين ويا أمان الخائفين..
ويا مجيب دعوة المضطرين ويا ذخر المعدمين..
ويا كنز البائسين ويا غياث المستغيثين..
ويا قاضي حوائج الفقراء والمساكين..
ويا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين ..

نسألك أن تنيلنا والمسلمين وبلادهم من روح رضوانك وتديم علينا والمسلمين ّوبلادهم نعم إمتنانك ..
ها نحن بباب كرمك واقفون ولنفحات برّك متعرّضون ، وبحبلك الشديد معتصمون ،
وبعروتك الوثقى مُتمسكون .

اللهم وأسعدنا بهذا العام الجديد حتى نلقاك فيه على إيمان وحب منك يارحمن ..
اللهم وأسبغ فيه على عبادك المسلمين فى كل البلاد والأوطان قراراً من عندك وإستقراراً وأماناً ونجاة من الفتن ..
اللهم انا نسألك أن تنزل على سائر المسلمين وبلدانهم سحائب رحمتك وكثير غفرانك وأن تردنا إليك غير خزايا ولا مفتونين يارب العالمين ... .

 عباد الله أمركم ربُّكم جلَّ وعلا بأمر بدأ فيه نفسه وثنى به ملائكته المسبحه بحمده وثلث به عباده من جنه وإنسه فقال تعالى قولاً كريمًا:
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبيِّنا وحبيبنا وقدوتنا محمَّد بن عبدالله، وارضَ اللَّهم عن خلفائه الرَّاشدين ذوي المقام العليّ، أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وعن سائر الصَّحابة والتَّابعين...
---------------------------------------
للتواصل والاستفسار وإبداء الملاحظات :
جوال ( 00967777151620 )
ولمتابعه الخطب المكتوبه على الروابط التاليه :
١/
https://www.facebook.com/SheikhAhmedPage/
-----------------------
٢/
https://alahmed-ibb.blogspot.com/?m=1
-----------------------
٣/
 https://lecahmed.blogspot.com/
-----------------------
٤/
 http://talabah1.blogspot.com/?m=1
-----------------------------------
اللهم اجعلها صدقهً جاريهً لي ولوالدتي المرحومه..
وأنفع بها عبادك المسلمين اجمعين ...
واجعلني خيراً مما يظنون واغفر لي مالايعلمون..
------------------------------------
              والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِين

الجمعة، 7 سبتمبر 2018

🎤
خطبــة جمعـــة بعنـــوان
من دروس الهجرة النبويه :
{ توظيف الطاقات واكتشاف المواهب والاستفاده من الخبرات السابقه }

إعداد وترتيب وتحضير وإلقاء :
الاستاذ/ احمد عبدالله صالح
خطيب مسجد بلال بن رباح/
الجمهوريه اليمنيه - محافظة إب .
ألقيت في  6 سبتمبر 2018 م
الموافق  27 ذو الحجه 1439هـ

أما بعــــــــــــــــــــــــــــــد :ــ
ايها الأحباب الكرام :
 سطَّر تاريخنا الإسلاميّ المجيد أحداثَ عظيمة، ووقائعَ جسيمة، لها مكانتها الإسلاميَّة،
ولها آثارها البليغة في عزِّ هذه الأمَّة وقوَّتها وصلاح شريعتها لكلِّ زمانٍ ومكان، وسعيها في تحقيق مصالح العباد في أمور المعاش والمعاد.

وهانحن اليوم نعيش مع حدثٍ مباركٍ عظيم غير مسار التأريخ واخرج العباد من عبادةِ العباد الى عبادةِ ربِّ العباد ومن جور الأديان الى عدل الاسلام ومن ضيق الدنيا الى سعة الدنيا والاخره

انّه الحدث الذي غيَّر مجرى التاريخ ..
إنّه الحدث الذي يحمل في طياته معاني الشجاعة والتَّضحية والإباء ..!
معاني الصَّبر والنَّصر والفداء..
معاني التوكُّل والقوَّة والإخاء..!
معاني الاعتزاز بالله وحده مهما بلغ كيد الأعداء.!

إنَّه حَدَثُ الهجرة النبويَّة، الذي جعله الله سبحانه طريقًا للنَّصر والعزَّة، ورفعِ رايةِ الإسلام،
وتشييد دولته، وإقامةِ صرح حضارته ...!

فما كان لنور الإسلام أن يُشِعَّ في جميع أرجاء المعمورة لو بقيَ حبيسًا في مَهْدِه، ولله الحكمة البالغة في شَرْعِه وكَوْنِه وخَلْقِه.

إنَّ في هذا الحدث العظيم من الآيات البيِّنات والآثار النيِّرات والدروس والعِبَر البالغات ما لو استلهمته أمَّة الإسلام اليوم وعملت على ضوئه وهي تعيش على مفترقِ الطُّرُق؛ لتحقَّق لها عزُّها وقوَّتها ومكانتها وهيبتها، ولعلمتْ علمَ اليقين أنَّه
لا حلَّ لمشكلاتها ولا صلاحَ لأحوالها إلاَّ بالتمسُّكِ بإسلامها، والتزامها بعقيدتها وإيمانها..

 وأنا لا أشك أن واحداً منكم لا يعرف وقائع الهجرة، فوقائعُ الهجرة يعرفها المسلمون جميعاً، ولكن العبرة في شفافيةِ الحدث، في أن تستنبط من الحدث قاعدةً تنتفع منها في حياتك اليومية، ونسقط وقائع الهجرة على واقع المسلمين اليوم من خلال دروسها وعظاتها ..!
وما اكثر تلك الدروس وما اكثر تلك العظات
وما اكثر تلك العبر والدلالات التى طال ما حدثناكم عنها في أعوام مضت وسنين مرت ..؟
دروس في الامانه، ودروس في التضحيه والفداء..
دروس في الامل والتفائل ..
ودروس في الصبر والتحمل ..
دروس في الصدق والوفاء ..
ودروس في الجود والسخاء ..
 دروس في الوحده والتعاون ..
ودروس في التخطيط والتنظيم ..
دروس في الإيجابية ..
ودروس في الثبات على الحق ..
دروس في استشعار معية الله ..
ودروس الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله ..
دروس في الثقه بالله وموعود الله ..
ودروس في نصر الله وحفظه لأوليائه ..
ودروس ودروس وعبر وعظات اخرى كثيرة تم الحديث عنها في أعوام وسنين مضت ..!

واليوم نحن على موعدٍ مع درسٍ جديد نستلهمه من هذه الحادثه المباركه التى لم يسبق لنا الحديث عنه في منبر الجمعه من قبل ...
ففي موقفٍ عظيمٍ من مواقف الهجرة الشريفة، وأعداؤه عليه الصلاة والسلام يترصدون به ويفتشون عنه، يستأمن رجلاً من المشركين ويطمأن له ويأنس بخبره وخبرته فيسير معه في طريق الهجرة متخفياً عن أعين المشركين الذين رصدوا الجوائز الباهظة لمن يأتي بخبره ..!

وهنا يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يستفادُ من الطاقات والكفاءات والخبرات فيحرص على ان يشاركَ في الهجرةِ وإنجاحها والوصولِ الى غايتها الرجالُ والنساءُ والشباب، فكانَ للجميعِ جهودٌ مشكورةٌ وأدوارٌ خالدةٌ معروفةٌ غيرُ منكورة ..
كُلُّ هذا ليُعلمَ أُمتهُ أنّ الخيرَ كُلَّ الخيرِ في تضافرِ الجهودِ ، للوصولِ إلى الغايةِ المرجوّةِ والهدفِ المنشود ..
فوَكَلَ عليه الصلاة والسلام لِكُلِّ مُشَارِكٍ وَمُعَاوِنٍ
مَا يُنَاسِبُهُ حَسَبِ خِبْرَتِهِ وَكَفَاءَتِهِ ..!
لأنَّ للخبرةِ والكفاءةِ دورٌ مهمٌّ في إتقانِ العملِ وإنجازِ المهام ..
فيختَارَ هنا رسول الله رَجُلاً خَبِيَرًا بِطُرُقِ الصَّحْرَاءِ، مَعَ أنَّهُ كَانَ مِنْ غَيْرِ المُسلِمِينَ .
وسيرته صلى الله عليه وسلم العمليه زاخرةٌ بالمواقف العظيمة، بالاستفادة بما عند الأمم السابقة على اختلاف عقائدهم، ومذاهبهم
- وهنا في الهجره كما أسلفت يستفيد عليه الصلاة والسلام من خبرة عبدالله بن أُريقط الليثي بالطريق من مكة إلى المدينة، وهو مشرك ..
- حتى إصرار عم الرسول صلى الله عليه وسلم
 أبي طالب على الشرك، والتزامه بملة الأعداء؛
 لم يمنعه من الإفادة من مكانته وجاهه والاستئثار بحمايته والذود عنه، فقد استأمنه وأخذ برأيه ومشورته وقَبِل مساندته ومناصرته، واطمأن إليه وشكى له، لذا كانت وفاة عمه أبي طالب عام حزنٍ له وشعورٍ منه بفقد حامٍ ذي  شكيمة، ومساندٍ له بالجاه والرأي والقوة.
- وفي غزوة الأحزاب يأخذ من علوم الفرس بحفر الخندق بمشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه،
- كما استفاد الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم
من تجارب الدول الأخرى، وخاصة الفارسية، والرومانية، حيث أخذوا منهم الكثير من الخبرات، والمعارف السياسية، والإدارية، والاقتصادية ..

ولا بأسَ أن ينتفعَ المسلمونَ بمواهبِ الاخَرينَ وخبراتهم بِغَضِّ النظرِ عن عقائدهم وخصوصاً إذا تعسرَ الحُصولُ على مسلمٍ يملكُ الكفاءةَ أو الموهبةَ نفسَها ..
ولذلكم اخواني واحبائي روّاد مسجد بلال :
مهارةُ الإفادة من تجارب الآخرين في الإسلام خلقٌ أصيل، عزّزه القرآن ..!
جسدته السنة المطهرة ..!
عمل به الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ..!

 ويُعدُّ معلَماً بارزاً من معالم التاريخ الإسلامي وأعمدَتُه المهمة، ذلك أنّ الخبرة الإنسانية إرثٌ مشترك، يتلقاه اللاحق عن السابق،
ويُسهمُ فيه كُلُّ جيلٍ بما لديه من قدرات واستعدادات وفق شخصيته وحضارته؛ من أجل بناء حضارة الإنسان على مدّ التاريخ الإنساني كله.
واذا بدأنا بالقرآن لنستشهد على درسِ الهجره اليوم في الإفادة والانتفاع والاستفاده من تجارب الآخرين وخبراتهم فإننا نجد انّ القرآن الكريم لفت أنظارنا إلى ضرورة الإفادة من التاريخ ودراسة تجارب الأمم السابقة، والوقوف على مواطن الخطأ والصواب، فقال تعالى :
" قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ".
آل عمران: ١٣٧
 كما أرشدنا إلى حاجةِ كل إنسان لعلمِ أخيه الإنسان الذي سبقه، فالخبرات والعلوم لم تولد معنا، فقال تعالى :
"وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا" النحل: ٧٨
كما دعا الى أخذ العبرة من قصص السابقين تارة، فقال : " لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى "  يوسف:١١١ ..

وتارة عن طريق الإشارة إلى المشاهد الداعية للتعلم من خبرات الغير وتجاربهم، قال تعالى:
" فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ  (( لِيُرِيَهُ ))
ليريه : اي ليستفيد وليتعلم وليأخذ الخبره
" فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ  
كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ " المائدة:٣١

يقول ابن عاشور معلقاً على مشهد الغراب :
"هذا المشهدُ العظيم هو مشهد أوّل حضارة في البشر ، وهي من قبيل طلب سَتر المشاهد المكروهة "
 وهو أيضاً مشهد أوّلُ علمٍ اكتسبه البشر بالتّقليد وبالتَّجربة ..
 وهو أيضاً مشهدُ أوّلُ مظاهر تَلقّي البشر معارفهم من عوالم أضعفَ منهم كما تَشَبَّه النَّاس بالحيوان في الزينة ، فلبسوا الجُلُود الحسنة الملوّنة وتكلّلوا بالريش المُلوّن وبالزهور والحجارة الكريمة، فكم في هذه الآية من عبرة للتَّاريخ والدّين والخُلُق"

وفى السنه المطهره والسيره النبويه نجد ان عملَ الرسول صلى الله عليه وسلم كان منضبط بسنن الله ونواميسه في الكون :-
 فاستغل ساحة الدعوة ليخرجَ منها ثماراً يانعة في فترة وجيزة وبفاعلية وقدرة ليس لهما نظير  في حياة البشر ..!
 وكان دائبَ الإفادة من خبراتِ الآخرين، سواء كان ذلك في المعاني أو في الماديات ..

ولو جئنا الى حياة النبي الكريم قبل حادثه الهجره لوجدنا انّه عليه الصلاه والسلام لم ينعزل في كوكبٍ منفرد عن بيئة قومه وعشيرته، بل سافر وتجول صغيراً مع عمه وسمع ممن هو أكبر منه من أشياخ قريش ومن حولهم من القبائل،
حيث اطلع على تجارب الآخرين وخبرتهم، وتمكن من الاستفادة من آرائهم، فهم أصحاب خبرة ودراية وتجربة لم يمر بها النبي في سنه تلك.
وقدر الله له ان يترعرع في بادية بني سعد،
حيث أكسبه ذلك تنوعاً في معرفة لهجات العرب وزيادة في الفصاحة والبلاغة، لذلك لما كان يأتي إليه وفد من أي قبيلة كان يكلم الوفد بلهجته.
وإضافة لذلك فقد تعلم عندهم الرماية وركوب الخيل والسباحة ..
 ومر ذات يوم على بئر فتبسم، فقيل:
ما يضحكك يا رسول الله؟!
قال: هنا تعلم نبيكم السباحة.
وهذه الخبرات ساهمت في بناء شخصيته فلما أكرمه بالرسالة فيما بعد ساعده ذلك في معرفة حقيقة ما يفكر به الأعراب والمشركون واليهود والمنافقون وسائر القوى التي تحيط بالمسلمين، ومعرفة طبيعة تركيبتهم السياسية والاجتماعية وواقعهم الثقافي والاقتصادي ..

وفي خبرة الرسول بالناس عامة ودرايته بأصحاب المواهب والقدرات الفاعلة والمؤثرة وندرتهم بين الناس قال :
(تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لاَ يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً) .
لذا فقد اكتشف هذه المواهب والقدرات بين أصحابه واستثمرها في عملية بناء المجتمع وبنائه، ووضع كل واحد منهم في المجال الذي يناسب تفوقه وتميزه، فقال :
 ( أرحمُ أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أُبيّ، ولكل أمةٍ أمين وأمينُ هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح )
ولمعرفته عليه الصلاة والسلام بالشعوب وما يصلح لهم من الرجال :
فقد أرسل لأهل اليمن أعلم الصحابة كمعلم لهم وهو معاذ بن جبل ..!
وأرسل إلى نجران علي بن أبي طالب ..
وأرسل إلى الغرب منها أبا موسى الأشعري.
وأوفد قبل ذلك مصعب بن عمير سفيراً إلى المدينة المنورة؛ ففتحها بالدعوة والتعليم.
وفي السياق ذاته فقد اختار بلالاً للآذان لأنه أندى الصحابة صوتاً .!
واختار ثابت بن قيس ابن شماس خطيباً لأنه جهوري الصوت بليغ العبارة .!
واختار حسان بن ثابت شاعراً له لانه كان يجيد الشعر ..!
واختار أصحاب البداهة والفصاحة والوسامة لكي يكونوا رسله إلى الملوك والأمراء :
" كدحية الكلبي، وعبدالله بن حذافة السهمي، وعمرو بن العاص، وعمرو بن أمية الضمري، وحاطب بن أبي بلتعة ".!
 واختار لقيادة الكتائب والجيوش :
" خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل وأسامة بن زيد، لأنهم كانوا أكثر الصحابة قدرة على القتال، وأملكهم لفنونه وهكذا دواليك.!!
فكانت إفادته عليه الصلاة والسلام من خبرته السابقة تتصل بجهتين :
- معرفته العميقة بأصحابه وأحوالهم وميولهم وتخصصاتهم، وحتى فيما يخص سيرتهم الشخصية مع أهلهم وأزواجهم.
- كذلك معرفته بالأقوام الذين سيرسل إليهم هؤلاء الرسل، وإلا لما استطاع أن يوافق صلاحهم وخيرهم حتى وإن عرف أحوال أصحابه ومناقبهم.
ويعدُ هذا المنحى الذَي اصطبغ به منهجه غاية في الروعة والجمال، لأنه راعى فيه أحوال الرجال المرسلين وأحوال الشعوب المستهدفة من الإرسال في آن واحد.
وفي منحى اخر استفادته عليه الصلاة والسلام من معرفته بالنجاشي ملك الحبشة بأنه عادل
لا يظلم فأرشد المستضعفين عنده وإرسلهم للجوء إلى بلاده عندما أشتد الإيذاء لهم..
 قالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
" فَلَمّا رَأَى رَسُولُ اللّهِ مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْبَلَاءِ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَةِ بِمَكَانِهِ مِنْ اللّهِ وَمِنْ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ وَأَنّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِمّا هُمْ فِيهِ مِنْ الْبَلَاءِ قَالَ لَهُمْ لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللّهُ لَكُمْ فَرَجًا" .
فأخبرهم بصفات حاكم تلك البلاد ودولته، وهذه دقائق تحتاج لمعرفة واسعة وثقافة متعمقة، ووعي سياسي فذ.
ولما طلب منه أبو ذر وظيفة لا تناسب ملكاته وقدراته، لم يستجب لطلبه بل نصحه بالابتعاد عنها وقال: " يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها".
وهذا يعود لمعرفته بالفروق الفردية التي تُميّزُ كل فرد عن الآخر، وهو جانب من تميزه وخبرته.
وفي هذا الإطار فقد استدل الرسول بفطنته وبراعته على اختيار من كان انسب لتعلم اللغة السريانية، فاختار لهذا الشأن زيد بن ثابت .

ولذلكم كان عليه الصلاة والسلام شديد الملاحظه يكتشف من خلالها المواهب ويوظف الخبرات ويشجعها ويعطيها زمام المبادره لتنطلق وتسابق وتبدع وتبني وتُثمر وتُصلح  ..!

ولكم ان تروا الى واقع بلادنا على وجة الخصوص الى تلك الأعداد الهائلة والكثيره من المواهب والطاقات والإبداعات والقدرات والكفاءات الشبابيه التى ضيعت وأهملت وتركت ودمرت ..!
- مواهب شبابيه لم تجد لها مشجعاً ولا داعماً ولاسنداً ولا ظهراً لكي تنطلق اكثر وتبدع اكثر وتخدم بلدها ..
- مواهب شبابيه بعضها من الاهمال ذهبت أدراج الرياح وماتت ابداعاتهم واضمحلت خبراتهم  واندثرت طاقاتهم  ففضلت التوجه للعمل او حمل الأثقال على ظهرها اوبيع الخضروات في الاسواق .
وأخرى سافرت لبلدان اخرى لتخدمها في مجال موهبتها وابداعها سواءً في المجال التكنولوجي او المعلوماتي او الاكتشافي او الإبداعي او الثقافي
او الرياضي ..!
ولكم بيّض وجوهنا هؤلاء المبدعون من شبابنا والموهوبون من أبناء بلدنا بأصواتهم او أقدامهم
او اكتشافاتهم او مخترعاتهم في المحافل الدوليه وفي البرامج المسابقاتيه وحازوا المراكز الاولى ورفعوا علم البلاد خفاقاً ..!
ورسموا لهذا البلد صوره حضارية رائعه تليق بها وبأنها بلد الأذكياء والعباقره وروّاد المواهب والخبرات ..
ومع ذلك تعود لبلادها فلا تجد الداعمين ولا المشجعين ولا المحفزين فتموت مواهبهم مع الوقت وتدمر طاقاتهم مع الزمن..
اما الموهوبون في مجال السرقه والنصب والاحتيال على خلق الله واكل حقوق الناس ومال اليتيم فهؤلاء موهوبون مدعومون ومشجّعون ..!
هولاء موهوبون يجدون السند والظهير ويجدون الحامي والمدافع والنصير ..!

التاجر الموهوب المتفنن والمبدع في احتكار السلع الغذائية واّدخار حاجة الناس وأقواتهم هذا يعطى وسام الشرف والحنكه .

والبعض من الصرّافين والمبدعين منهم والموهوبون ممن يتلاعبون بالعمله الوطنيه والصرف اليومي هؤلاء محاطون بالمشجعين والحامين .

والمواطن الغلبان هو الضحيه لكل هذا وهو وحده من يحمل الهموم في الليل والنهار ويتجرع مراره الألم ولا من يرثى لحاله او يرأف لوضعه
ولا حسيب له إلا الله ومع ذلك اقول له :

أيها الموجوع صبراً          إنّ بعدَ العسرِ يسراً

أيها الجائع مهلاً            إنّ بعد الجوعِ شبعاً

إن بعد الحزن أمناً     فاحتسب في الحزن أجراً

لا يكون الدمع دوماً     سوف تجني السُعدَ دهراً

أيها الباكي بليلٍ          سوف يأتي النور فجراً

أيها المكسور قل لي         هل يُديمُ الله كَـسْراً ؟

إنّ رباً كان يدري           فيك عند الصبر ادرى

اقول قولى هذا واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب
فاستغفروه ويا فوز المستغفرين ...

الخطبه الثانيه :
أما بعــــــــــــــــــــــــــــــد :ــ
ايها الأحباب الكرام :
تعيش الأمَّة الإسلاميَّة بعد ايام قليله إشراقةَ سنةٍ هجريَّة جديدة، وإطلالةَ عامٍ مباركٍ بإذن الله،
وستأفلُ شمسُ عامٍ كامل، ويمضى بأفراحه وأتراحه، وستقوِّض خيامه، وتصرَّم أيامه .!
((  يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ )) النور (44)
(( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا )) النور (62)
والموفَّق الملهَم مَنْ سيأخذ من هذا دروسًا وعِبرًا، ويستفيد منه مُدَّكَراًً ومُزدَجَراً، ويتزوَّد من المَمَرِّ للمَقَرِّ، فإلى الله سبحانه المرجِع والمستقرّ،
والكيِّس المُسَدَّد مَنْ حاذَر الغفلة عن الدَّار الآخِرة حتى لا يعيش في غمرة، ويؤخذ على غرَّة، فيكون بعد ذلك عظةً وعبرة،.

 ولذلكم احبابي روّاد مسجد بلال بن رباح :
الهجرة النبوبه المباركه على صاحبها افضل الصلاة وأتم التسليم تُعلمنا اليوم درساً في أنّ الوصولَ إلى الغايةِ المرجوةِ والهدفِ المراد يحتاجُ إلى جهدٍ متواصلٍ ، ولا يكفي مجرد تحديد الهدف..!
فالذي يريدُ ثمرةً من شجرةٍ لابد أن يَهزَّها أو يصعدَ عليها ، ومن العبثِ الإكتفاء بالنظرِ إليها
فالقصور لايأتي عادةً من تحديد الهدف بل من التهاون في اختيارِ أنجعِ الاساليبِ الموصلةِ إليه ..

وَفِي تَوزِيعِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم لأَدْوَارِ الذِينَ شَارَكُوا فِي الهِجْرَةِ دَرْسٌ لَنَا مَعْـشَرَ المُسلِمِينَ فِي الاستِفَادَةِ مِنَ الخِبْرَاتِ،. وَمَا يُثْمِرُهُ ذَلِكَ مِنْ فَوَائِدَ وَخَيْرَاتٍ، فِي المُؤَسَّسَاتِ الحُكُومِيَّةِ وَالشَّرِكَاتِ، بَلْ فِي جَمِيعِ المَجَالاَتِ..!

وكم من مشكلة تربوية استعصت على الحل،
وعند الاستعانة بخبرات من سبقونا في هذا الدرب ذهبت أدراج الرياح، ولم تقف أمام خبراتهم التربوية مجرد لحظات...!
وكم من عقباتٍ واجهتنا في الطريق، وعند الاستعانة بخبرات الآخرين، مُحيت واندثرت..!
وكم من تحديات قابلناها، وحين استأنسنا برأي ذوي الخبرة ذُللت ومُهدت..!

وحيا من قال :
ألم ترَ أن العقل زينٌ لأهله
           ّ            ولكن تمامَ العقلِ طولُ التجارب
ومن قال :
من لم يشرب من بئرِ التجربة
                       مات عطشاً في بحور الجهل
 فالاستفادة من التجارب الشخصية أو تجارب الآخرين طريقٌ للنجاح ولها فائدة كبيرة في حياة الإنسان يتجنب بها تكرار الأخطاء ويمضي قدماً نحو هدفه ولهذا قالوا :
" السعيد من وعظ بغيره "
 فخذوا من حادثةِ الهجرةِ هذا الدرس مما سيُعينكم على النجاحِ في حياتكم ..
 واعلموا أنّ من حُرمَ فضلَ هجرةِ الأبدانِ فلن يُحرمَ فضلَ هجرةِ العصيان يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :-
(( المؤمنُ منْ أَمِنَهُ الناسُ ، والمهاجرُ من هجرَ ما نهى اللهُ عنْهُ ))..

واللهَ العظيم الجليل الكريم أسألْ أن يجعل من هذا العام نُصْرَةً للإسلام والمسلمين، وصلاحًا لأحوالهم في كلِّ مكان، وأن يعيده على الأمَّة الإسلاميَّة بالخير والنَّصر والتَّمكين، إنه جوادٌ كريم.
اللهمَّ اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أعمارنا أواخِرها، وخير أيَّامنا يوم نلقاكَ.

اللهم اجعل حاضرنا خيرًا من ماضينا، ومستقبلنا خيرًا من حاضرنا، إنَّك خير مسؤولٍ وأكرم مأمول.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعاً مَرْحُوْماً، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقاً مَعْصُوْماً، وَلا تَدَعْ فِيْنَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُوْماً.

رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ.
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِيْنَ.

هَذَا وَصَلُّوْا وَسَلِّمُوْا عَلَى إِمَامِ الْمُرْسَلِيْنَ، وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِيْنَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيْماً:
(( إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا صَلُّوْا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوْا تَسْلِيْمًا )) .

اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، فِي العَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِيْنَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَعَنْ المُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ.
---------------------------------------
للتواصل والاستفسار وإبداء الملاحظات :
جوال ( 00967777151620 )
ولمتابعه الخطب المكتوبه على الروابط التاليه :
١/
https://www.facebook.com/SheikhAhmedPage/
-----------------------
٢/
https://alahmed-ibb.blogspot.com/?m=1
-----------------------
٣/
 https://lecahmed.blogspot.com/
-----------------------
٤/
 http://talabah1.blogspot.com/?m=1
-----------------------------------
اللهم اجعلها صدقهً جاريهً لي ولوالدتي المرحومه..
وأنفع بها عبادك المسلمين اجمعين ...
واجعلني خيراً مما يظنون واغفر لي مالايعلمون..
------------------------------------
              والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِين

🎤 خطبــة جمعـــة بعنـــوان : [ الإســـتغفـــــــار ] إعـــــــداد وتنظيــــم وإلقـــاء : الاستـــاذ/ احمــــد عبـداللَّـه صــالح خــط...